أكرم حمدان - خاص "الأفضل نيوز"
تتوزع وتتنوع القراءات والتحليلات لنتائج جلسة مناقشة الحكومة التي انعقدت على مدى يومين وتحدث فيها 59 نائباً، إلى جانب كلمة رئيس الحكومة نواف سلام الافتتاحية والختامية للجلسة قبيل التصويت على الثقة، وكذلك انتشر الكثير من الكتابات المواكبة لوقائع الجلسة، وخصوصاً ما شهدته من "استعراض" وشتائم وتبادل اتهامات، جعلت "المايسترو" رئيس مجلس النواب نبيه بري يقول: "يا عيب الشوم" على هذا المستوى وهذا الخطاب.
إن المواكب لعمل البرلمان في لبنان والمطلع على نصوص النظام الداخلي لمجلس النواب ونصوص المواد الدستورية وطبيعة النظام البرلماني الذي يتميز به لبنان، لا يستغرب أو يتوقع نتائج غير تلك التي توصلت إليها الجلسة لجهة تجديد الثقة بالحكومة بـ68 صوتاً وحجب 12 وامتناع اثنين من الحضور خلال التصويت، مع الإشارة إلى مغادرة نواب "حزب الله" القاعة قبيل التصويت، وهذا أحد السيناريوهات المتوقعة.
إن المتابع للواقع السياسي اللبناني يعي تماماً أن هذه الجلسات ومثيلاتها لا يمكن أن تُسقط حكومات، خصوصاً في ظل التركيبة اللبنانية المعقدة التي تنبثق فيها السلطة التنفيذية من البرلمان، وهو أمر طبيعي في الأنظمة البرلمانية والديموقراطية، ولكن ما ليس طبيعياً هو التوزيع الطائفي والحصصي والمذهبي والحزبي والفئوي الذي يُعطّل أي إمكانية للمحاسبة، وهذا مجال نقاشه في مكان آخر.
وللذين يسألون أو يتساءلون عن جدوى هكذا جلسات، يمكن القول بأن هذا هو المتاح أو المتوفر وفقاً للأصول والنصوص، وهو إذا استُخدم بشكل إيجابي وبناء يمكن الاستفادة منه في التوجيه والتنبيه والتحذير، وليس في الاستعراض أمام الشاشات والمبارزة في الشتائم والكلام النابي الذي يُشطب من المحضر، وهذا طبعاً لا يشمل الجميع، فهناك من كان مقدّراً في حضوره ومداخلته وكلامه وحتى سكوته ومراقبته.
المهم فيما تقدم أن تتم الاستفادة من هذه التجارب وأن تكون الحكومة استفادت من تجديد الثقة لكي تفعل مؤسساتها، وإداراتها، وخدماتها، واستقلاليتها، وقدرتها على حماية المواطن وتطبيق القانون.
فلا يكفي ولم ينجح تنفيس الاحتقان من خلال هذه المبارزة أو هذا الاستعراض، إنما ربما شمل النواب مع الحكومة التي عليها واجب الالتفات إلى هموم وشجون الناس والعمل على التخفيف من وطأة الأعباء الاجتماعية والمالية والمعيشية عليهم.
فهذه المناظرات المتلفزة والثقة المجددة لن تدوم طويلاً إذا لم تُحلّ مشكلات فواتير المولدات ورفع أقساط المدارس والجامعات وغياب الكهرباء وأزمة النفايات، وإعادة ودائع الناس، وغيرها من الأمور المعيشية الملحة.
إن تحويل جلسات المناقشة والمساءلة للحكومة إلى سوق عكاظ ومحاولة الهروب من وضع الحلول الجدية لمعاناة الناس، لن ينفّس الاحتقان، لا بل يوسعه ليشمل النواب مع الحكومة، إلا أن كل ذلك لا يلغي أن تكون قاعة المجلس النيابي المكان الطبيعي للحوار وليس للاستعراض ولمناقشة الحلول للأزمات التي يعيشها لبنان واللبنانيون وحتى شكل الدولة التي يريدونها.

