طارق ترشيشي - خاص الأفضل نيوز
لم تكن جلسة مجلس النواب الأخيرة مجرد جلسة طويلة لمناقشة أداء حكومة الرئيس نواف سلام ومساءلتها. فقد انتهت باختبار سياسي واضح: المجلس النيابي جدد الثقة بالحكومة بـ68 صوتًا، بعد نقاش امتد يومين وتناول ملفات سياسية وأمنية واقتصادية شديدة الحساسية وانتهى بطلب تكتل "لبنان القوي" طرح الثقة بها.
لكن أهمية التصويت الأخير لا تكمن في الرقم 68 وحده، بل في أنه يمثل المحطة الثالثة في مسار الثقة النيابية بالحكومة التي بدأت ولايتها في شباط 2025 بثقة واسعة بلغت 95 نائبًا، قبل أن تحصل في تموز 2025 على 69 صوتًا في أول اختبار نيابي لها بعد جلسة مساءلة ومناقشة عامة، وصولًا إلى 68 صوتًا في أيلول 2026.
عند تأليف الحكومة، جاءت الثقة الأولى في 26 شباط 2025 بعد مناقشة البيان الوزاري. يومها نالت الحكومة 95 صوتًا، مقابل 12 صوتًا لحجب الثقة وامتناع أربعة نواب. وكان ذلك بمثابة تثبيت نيابي واسع للحكومة في لحظة انطلاقها. وبعد نحو خمسة أشهر، خضعت الحكومة لاختبار مختلف. ففي تموز 2025، وبعد جلسة لمساءلتها ومناقشة سياساتها العامة امتدت على يومين، طرح النائب جبران باسيل الثقة بالحكومة، فنالت 69 صوتًا، مقابل 9 أصوات حجبت عنها الثقة وامتناع أربعة نواب، فيما كان 46 نائبًا قد غابوا عن الجلسة. أما في أيلول 2026، فقد جاءت الثقة الثالثة بـ68 صوتًا.
وهكذا يبدو المسار العددي، للوهلة الأولى، واضحًا: 95 ثم 69 ثم 68. لكن قراءة هذه الأرقام تحتاج إلى مقدار من الحذر. فهي لا تعني ببساطة أن الحكومة "خسرت 27 نائبًا" ثم نائبًا آخر، لأن كل تصويت تم في ظروف مختلفة، وفي حضور نيابي مختلف، وفي ظل مواقف واصطفافات سياسية متبدلة.
ولذلك فإن مقارنة الأرقام مفيدة لفهم الاتجاه العام، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد أسباب التغير في حجم التأييد.
وإذ تسأل أوساط نيابية: ماذا تعني "الثقة الثالثة"؟ تجيب، أن هذه الثقة الثالثة لا تعني أن الحكومة تشكلت ثلاث مرات، ولا أنها تحصل على تفويض جديد مع كل تصويت. الحكومة نالت ثقتها الأولى عند عرض بيانها الوزاري بعد تأليفها. أما التصويتان اللاحقان فهما تجديد للثقة بعد مناقشة أدائها وسياساتها. وهنا يكمن المعنى الدستوري والسياسي الأهم: مجلس النواب، بعد أن استمع إلى الحكومة والنواب وناقشوا أداءها، لم يصل إلى حد نزع الثقة عنها. أي أن الرسالة الأساسية للتصويت هي أن الحكومة لا تزال تملك الأكثرية النيابية التي تسمح لها بمواصلة ممارسة صلاحياتها.
لماذا لا تكفي مقارنة 95 بـ68؟
تجيب الأوساط النيابية نفسها: لأن الـ95 صوتًا الأولى كانت في سياق مختلف تمامًا. كانت حكومة جديدة تعرض بيانها الوزاري وتطلب ثقة المجلس للانطلاق. أما الـ69 صوتًا في تموز 2025 فكانت نتيجة اختبار لاحق، بعد أشهر من العمل الحكومي، وفي جلسة غاب عنها عدد كبير من النواب. وقد سجل المجلس يومها 69 صوتًا للثقة، و9 لحجبها، و4 امتناعات. وبدورها، الجلسة الثالثة تأتي في سياق سياسي مختلف، ما يجعل الرقم 68 في حاجة إلى أن يُقرأ إلى جانب الحضور والغياب والامتناع ومواقف الكتل، لا في اعتباره مؤشرًا منفردًا على شعبية الحكومة داخل المجلس.
بعبارة أخرى، الفارق بين 95 و68 هو فارق عددي كبير، لكنه ليس بالضرورة مقياسًا مباشرًا لانخفاض التأييد السياسي بالحجم نفسه. ما يعني أن الرقم 68 هو أكثرية للاستمرار وليس إجماعًا.
فمجلس النواب يتألف من 128 نائبًا، وبالتالي فإن 68 صوتًا تعني أن الحكومة حصلت على أكثرية تتجاوز عتبة النصف بنائبين إذا احتُسبت الهيئة النيابية العامة بكاملها. لكن الأهم هو أن التصويت على الثقة لا يُقرأ بمنطق "مع الحكومة أو ضدها" فقط. فهناك الغياب والامتناع، كما أن النائب الذي يمنح الثقة لا يكون بالضرورة موافقًا على كل سياسات الحكومة وتفاصيل أدائها.
لذلك فإن رقم 68 صوتًا يقول شيئًا محددًا: الحكومة لم تفقد القدرة على تأمين أكثرية نيابية لاستمرارها. ولا يقول، في المقابل، إن المجلس النيابي أجمع على أدائها أو أن كل القوى السياسية متفقة على خياراتها.
وهنا ربما تكمن الدلالة السياسية الأبرز للجلسة. فالثقة لم تأتِ من فراغ، بل جاءت بعد يومين من النقاش والمساءلة. النواب ناقشوا الحكومة في ملفات متعددة، ووجّهوا إليها الانتقادات والأسئلة، فيما تولى رئيس الحكومة والوزراء الرد عليها. وهذا يعني أن الثقة في النظام البرلماني ليست بديلاً من المساءلة، بل هي في جانب منها نتيجة للمساءلة.
وترى الأوساط النيابية عينها أن الحكومة التي حصلت على 95 صوتًا عند ولادتها مطالبة اليوم بأن تبرهن على ما فعلته بهذه الثقة. والحكومة التي حصلت على 69 صوتًا في اختبارها الثاني استطاعت الاستمرار. أما حصولها الآن على 68 صوتًا فيمثل محطة ثالثة تؤكد استمرارها، مع بقاء مساحة الاعتراض السياسي عليها قائمة.
ماذا تقول أرقام الثقة التي تراجعت من 95 إلى 69 ثم إلى 68؟
إذا كان الرقم الأول يعكس ثقة التأسيس، فإن الرقمين التاليين يعكسان ثقة الاختبار.
وهنا تصبح السلسلة أكثر دلالة من كل رقم منفرد: 95 صوتًا ثقة الانطلاق. 69 صوتًا تجديد للثقة بعد أشهر من الممارسة والمساءلة، 68 تجديد ثالث للثقة، مع استمرار الحكومة في مواجهة خلافات سياسية وانتقادات نيابية. ومن هذه الزاوية، فإن الأهم ليس القول إن الحكومة "حصلت على 68 صوتًا" فحسب، بل أن نلاحظ أنها نجحت للمرة الثالثة في تأمين الأكثرية النيابية التي تحول دون سقوطها.
لكن في المقابل، فإن التراجع العددي من 95 إلى 69 ثم 68 يذكّر بأن الثقة ليست ثابتة بالضرورة، وأن حجم التأييد الذي رافق ولادة الحكومة لا يمكن افتراض استمراره بالدرجة نفسها في كل اختبار لاحق.
وفي المحصلة، ترى الأوساط النيابية أن الثقة الثالثة تعني، بالمعنى الدستوري المباشر، أن حكومة نواف سلام لا تزال تحظى بثقة مجلس النواب ولم تُسحب منها الثقة بعد جلسة مساءلة ومناقشة استمرت يومين.
أما سياسيًّا، فإن قراءة المسار من 95 صوتًا في شباط 2025 إلى 69 في تموز 2025 ثم 68 في أيلول 2026 تكشف أن الحكومة انتقلت من ثقة تأسيسية واسعة إلى ثقة اختبارات لاحقة تم خلالها التصويت في ظروف وتركيبات نيابية مختلفة. لذلك لا تختصر دلالة جلسة أيلول في سؤال: "هل ربحت الحكومة الثقة أم لا؟".
فالجواب الدستوري واضح: نعم، بقيت الثقة ولم تسقط الحكومة.
لكن السؤال السياسي الأهم فهو ماذا ستفعل الحكومة بهذه الثقة الثالثة؟ وكيف ستتعامل مع الاعتراضات التي ظهرت خلال يومي المساءلة؟ وكيف ستنجح في تحويل الأكثرية التي أبقتها في الحكم إلى قدرة فعلية على اتخاذ القرارات وتنفيذ السياسات؟
ففي نهاية المطاف، الثقة النيابية تمنح الحكومة حق الاستمرار، لكنها لا تمنحها إعفاءً من المساءلة.

