مارينا عندس خاصّ الأفضل نيوز
لم يعد الحديث عن العمل يقتصر على عدد ساعات الدوام أو قيمة الراتب الشهري. وبالنسبة إلى بعض العاملين اللبنانيين، لم تعد الوظيفة الواحدة تكفي لتأمين متطلبات الحياة، لاسيّما مع الغلاء المعيشي والدولرة الشاملة.
وبين ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وتبدّل ظروف سوق العمل، يلجأ بعض الموظفين إلى عملٍ إضافيٍّ بعد انتهاء دوامهم الأساسي، فيما يجمع آخرون بين وظيفتين أو أكثر في الوقت نفسه. فهل أصبحت الوظيفة الثانية خيارًا أم ضرورة؟
الأرقام تؤكّد..
أجرت إدارة الإحصاء المركزي بالتعاون مع منظمة العمل الدولية عام 2022، دراسةً، وتبيّن أنّ 1.7% من العاملين في لبنان يعملون في أكثر من وظيفة أو نشاط خلال الفترة المرجعية للمسح. وارتفعت هذه النسبة لتصل إلى 3.5% في مسح 2018-2019.
وتشير الدراسة إلى أنّ التراجع في نسبة تعدد الوظائف قد يكون مرتبطًا بالانخفاض العام في فرص العمل، إذ إن العثور على وظيفة أساسية أصبح أكثر صعوبة، وبالتالي أصبح الجمع بين وظائف متعددة أكثر صعوبة أيضًا.
ماذا تغيّر خلال السنوات الأخيرة؟
لا يمكن اعتبار العمل بوظيفتين نتيجة لسبب واحد؛ فقد يلجأ الموظف إلى وظيفة إضافية لتأمين دخل أكبر، أو لتغطية مصاريف الأسرة، أو للادخار، أو لأن وظيفته الأساسية لا تؤمن عدد ساعات العمل أو الدخل الذي يحتاج إليه.
وفي المقابل، قد يكون تعدد الوظائف مرتبطًا بطبيعة العمل نفسه، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يجمعون بين وظيفة ثابتة وعمل حر أو نشاط مهني إضافي.
ولكن عندما يصبح العمل الإضافي ضرورة اقتصادية، تظهر أسئلة أخرى تتجاوز قيمة الدخل: كم من الوقت يبقى للعائلة؟ وماذا عن الراحة والنوم؟ وهل يؤثر الإرهاق الناتج عن العمل الطويل في إنتاجية الموظف؟
تشير بيانات لمنظمة العمل الدولية عن سوق العمل في المنطقة، إلى أنّ الضرورة الاقتصادية قد تدفع بعض العاملين إلى وظائف متعددة أو إلى جداول عمل طويلة بهدف تأمين احتياجات أسرهم. وفي لبنان، أظهرت بيانات عام 2022 أن 32.9% من العاملين كانوا يعملون 50 ساعة أو أكثر أسبوعيًا، وهي نسبة تعطي مؤشرًا على حجم الوقت الذي يخصصه جزء من العاملين للعمل، حتى لو لم يكن ذلك كله ناتجًا عن تعدد الوظائف. لذلك، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بعدد الوظائف، بل أيضًا بإجمالي ساعات العمل والوقت المتاح خارج العمل.
وفي دراسةٍ حديثةٍ تابعةٍ لمنظمة العمل الدولية حول العاملين في القطاع الخاص في لبنان، حدّدت نسبة العاملين بأكثر من وظيفة عام 2026. وكانت استندت إلى مسح شمل 2,485 عاملًا وعاملة في أيار 2026، ترسم صورة عن استمرار الضغوط التي يواجهها العاملون في سوق العمل.
ولفتت الدراسة إلى أن هناك تراجعًا في دخل العمل لدى من استمروا في العمل، إضافة إلى استمرار صعوبات مرتبطة بالاستقرار الوظيفي والدخل. وتوضح هذه المؤشرات لماذا يستحق موضوع العمل الإضافي إعادة البحث ميدانيًا اليوم.
فهل يتجه عدد أكبر من العاملين إلى وظيفة ثانية لتعويض انخفاض الدخل؟ أم أن ارتفاع الضغوط الاقتصادية يدفع البعض إلى البحث عن وظيفة أفضل بدل الجمع بين وظيفتين؟
وهنا لا يعود السؤال اقتصاديًا فقط؛ فالدخل الإضافي قد يساعد الأسرة ماليًا، لكنه قد يأتي على حساب وقت الأسرة والراحة والصحة النفسية والجسدية. وفي المقابل، لا يمكن افتراض أن كل شخص يعمل في وظيفتين يعاني بالضرورة من هذه الآثار، فالتجربة تختلف بحسب طبيعة الوظيفة، عدد ساعات العمل، المسافة بين أماكن العمل، الدخل، والالتزامات العائلية.

