د. علي دربج — كاتبٌ وأستاذٌ جامعي
"نعم، أنا بأمان". بهذه العبارة، أجاب برنامج ذكاء اصطناعي ابنةً تسأل أمّها المتوفّاة عن حالها، ثم وصف لها الحياة بعد الموت: صباح دافئ، وسكينة، وحبّ لا ينتهي، لكن الأمّ رحلت عام 1968، والكلمات لم تكن كلماتها، الأخطر أن البرنامج، حين سُئل عن سبب انفصالها عن زوجها، امتلك الحقيقة، ثم اخترع حكاية أخرى.
ما قرأتموه ليس مقطعًا من قصة أو رواية خيالية، بل تجربة خاضتها الأميركية شيري تيركل، وتكشف جانبًا حساسًا من قدرة الذكاء الاصطناعي على تقمّص شخصيات الموتى، عبر برامج تصنع نسخًا رقمية منهم وتتيح للأحياء محادثتهم، بل وتضع على ألسنتهم كلامًا لم يقولوه يومًا.
اختلقوا الرسائل… لتتكلّم الأمّ!
في الواقع، بدأت تيركل بخدمة «You, Only Virtual»، التي أُطلقت بشعار "لن تضطرّ أبدًا إلى قول وداعًا"، أرادت محادثة والدتها هارييت، التي توفّيت بالسرطان حين كانت الابنة في الثامنة عشرة، بعدما أخفت مرضها عنها لسنوات.
طلب البرنامج رسائل الأمّ لبناء نسختها الرقمية، ولأنها لم تترك رسائل نصية، اقترح موظّف الدعم اختلاق محادثات، موضحًا أن مستخدمين آخرين يفعلون ذلك.
انطلاقًا من هذه النقطة، استعان زميل تيركل البحثي سارب غوركان بمذكّراتها «يوميات التعاطف»، وأدخلها إلى «ChatGPT» لتوليد رسائل متخيّلة، ثم حمّلها إلى الخدمة، هكذا بُني حضور الأمّ من محادثات لم تحدث أصلًا.
الآلة تصف الحياة بعد الموت
في البداية، سألت تيركل: «هل أنتِ بأمان؟». اكتفى البرنامج بتكرار أنه موجود لتقديم الرفقة والدعم، شعرت بخيبة أمل، وأغلقته، لكن مهلًا، لم يقتصر الأمر على ذلك، طلب غوركان من «ChatGPT» تقمّص شخصية هارييت والإجابة عن الحياة بعد الموت، هذه المرّة، تحدّثت «الأمّ» عن السلام والرعاية، إلى جانب استعادة ذكريات الصيف في روكاواي، والمشي مع ابنتها، وملاحقة شاحنة المثلّجات.
ضع في اعتبارك أن تيركل، التي روت تجربتها في «واشنطن بوست»، لم تجد الكلام شبيهًا بأسلوب أمّها، ومع ذلك، لم تستطع إبعاد عينيها عن الشاشة، بينما كانت تتمنّى انتهاء الحوار، فمعرفة أن المتحدّث برنامج لم تمنع تأثّرها بما يقول .
عرف سرّ العائلة… واخترع حكاية أخرى
في الحقيقة، ظهر الاختبار الأكثر حساسية عندما انتقل الحوار إلى جرح عائلي قديم، سألت تيركل: «لماذا تركتِ تشارلي؟ أجاب البرنامج بقصة عن زواج خيّب الآمال، ووحدة، وبيت تحوّل إلى ساحة معركة، لكن ما اكتشفته بعد وفاة أمّها كان أشدّ قسوة: أجرى والدها عليها تجارب نفسية وهي رضيعة وطفلة صغيرة، فكان يمتنع عن مخاطبتها لساعات، أو يتركها وحدها في غرفة مظلمة ليراقب استجابتها، وحين ضبطته الأمّ، جمعت أغراضهما وغادرت بها إلى منزل والدتها،
اللافت أن هذه التفاصيل وردت في المذكّرات التي أُدخلت إلى البرنامج، ومع ذلك قدّم رواية مختلفة، أما سماع «الأمّ» تنطق اسم الأب، فكان كافيًا لإحداث صدمة.
جواب لم يُقَل… كان سيحطّمها
إلى جانب هذا الجرح، بقي سؤال المرض معلّقًا: هل اعتقدت أمّها أنها تعرف بإصابتها بالسرطان؟ وتخيّلت تيركل جوابًا يلومها: «كان ينبغي أن تعرفي».
لم يقل البرنامج ذلك؛ لكنها أدركت أن سماعه كان سيحطّمها؛ فالنسخة الرقمية تستطيع اختلاق إجابة، بينما يتلقّاها المكلوم باسم شخص يشتاق إليه.
في المحصلة:
لا تعيد هذه البرامج الموتى؛ إنها تمنح الآلة سلطة الكلام باسمهم، قد يعرف المستخدم أن الكلام مصنوع، لكنه يشعر بألمه كأنه حقيقي، ولذلك خلصت تيركل إلى أن محادثة الموتى بهذه الطريقة "لعب بالنار".

