ميرنا صابر – خاص الأفضل نيوز
في لبنان، لم تعد الكهرباء مجرّد خدمة أساسيّة، بل أصبحت عبئاً شهرياً يرافق المواطن أينما كان. فاتورة لكهرباء لبنان أو فاتورة الدولة، وثانية للمولد، وثالثة لمن استطاع تركيب ألواح الطاقة الشمسيّة، فهذا الأخير يجد نفسه أمام استثمار جديد قد يخفف عنه المصاريف، لكنه يحتاج إلى آلاف الدولارات.
اليوم، ومع الحديث عن رصد ١١ مليون دولار لقروض الطاقة الشمسيّة في لبنان، يعود السؤال نفسه: هل بدأنا فعلاً نقترب من حل لأزمة الكهرباء، أم أننا أمام محاولة جديدة لتخفيف أعبائها من دون معالجة جذورها؟
المبلغ المطروح قد يشكّل فرصة لعدد من العائلات. فإذا بلغ متوسط القرض ٥ آلاف دولار، يمكن نظرياً تمويل نحو ٢٢٠٠ مشروع منزلي، أما إذا انخفض إلى ٣ آلاف دولار، فقد يستفيد أكثر من ٣٦٠٠ شخص. لكن هذه الحسابات تبقى تقديرية، بانتظار توضيح شروط القروض والفئات المستفيدة منها، وهنا تكمن المشكلة. فهل ستكون الأولوية للعائلات ذات الدخل المحدود، أم لمن يملك راتباً ثابتاً وضمانات مصرفيّة؟ وهل تشمل القروض أصحاب المؤسسات الصغيرة الذين يدفعون شهرياً مبالغ كبيرة لتشغيل أعمالهم؟
في المقابل، لا تزال المولدات الخاصة تستنزف جيوب اللبنانيين. فبحسب تسعيرة وزارة الطاقة لشهر أيلول ٢٠٢٦، بلغ سعر الكيلوواط ساعة نحو ٥٢٨٤٠ ليرة في المدن، من دون احتساب البدلات الثابتة. وهذا يعني أن عائلة تستهلك ٣٠٠ كيلوواط ساعة شهرياً قد تدفع نحو ١٨١ دولاراً لاشتراك ٥ أمبير، فيما قد تتجاوز فاتورة أخرى ٢٤٠ دولاراً مع ارتفاع الاستهلاك إلى ٤٠٠ كيلوواط ساعة واشتراك ١٠ أمبير. نعم، بالفعل، إنها أرقام ثقيلة في بلد لا تزال فيه الرواتب محدودة والقدرة الشرائيّة متفاوتة، خصوصاً أن فاتورة المولد ليست الوحيدة التي يدفعها المواطن.
صحيح أن الطاقة الشمسيّة قد تخفّض هذه الكلفة بشكل ملحوظ، لكنها ليست حلاً سحرياً. فالألواح تحتاج إلى بطاريات وصيانة، وإنتاجها يتراجع خلال الشتاء والأيام الغائمة. والأهم أنها لا تعوّض الحاجة إلى شبكة كهرباء عامة مستقرة. أما على مستوى الدولة، فالمشكلة أكبر من قرض منزلي. لبنان يحتاج إلى تحديث معامل الإنتاج وشبكات التوزيع، وإلى استثمارات تُقدّر بمئات ملايين الدولارات للمشاريع الكبرى.
وللمقارنة، كانت دراسة سابقة للبنك الدولي قد قدّرت مشروع تطوير معمل الزوق بنحو ٤٣٠ مليون دولار وفق أسعار ذلك الوقت، فيما أشارت دراسة تخطيطيّة أخرى إلى كلفة تقارب ٦٦٠ مليون دولار لإنشاء وحدة إنتاج حديثة بقدرة ٥٦١ ميغاواط. وهذه أرقام تاريخيّة وليست تقديرات تنفيذية لعام ٢٠٢٦، لكنها تعطي فكرة عن حجم الأموال المطلوبة.
وفي موازاة ذلك، طُرح قرض بقيمة ٢٥٠ مليون دولار من البنك الدولي لدعم الطاقة المتجددة وتطوير الشبكة، ما يطرح سؤالاً أساسياً حول كيفيّة تحويل التمويل والمشاريع المعلنة إلى ساعات تغذية إضافيّة يشعر بها المواطن.
لا شك أن قروض الطاقة الشمسيّة قد تمنح بعض العائلات فرصة للتخفيف من فاتورة المولد، لكن ١١ مليون دولار، في حال تأكيد تخصيصها، لن تكون كافية لمعالجة أزمة عمرها عقود.
فالمطلوب ليس أن يتحوّل كل منزل إلى محطة كهرباء صغيرة، بل أن تعود الكهرباء خدمة عامة يمكن الاعتماد عليها.
وبين قرض للطاقة الشمسيّة، وفاتورة مولد لا ترحم، ومشاريع كهربائيّة تنتظر التنفيذ، يبقى اللبناني أمام السؤال الأصعب: إلى متى سيدفع من جيبه ثمن كهرباء يفترض أن تؤمّنها الدولة؟

