غدير نصرالدين - خاص الأفضل نيوز
…ما الذي ينتظرنا؟ وماذا يحمل المستقبل في طيّاته؟ هل يعود الحبيب الغائب؟ وهل ينجح المشروع الذي نعمل على تأسيسه؟ وغيرها من الأسئلة التي تتبادر إلى أذهاننا بين الحين والآخر، وتدفع البعض إلى اللجوء إلى قراءة أوراق التاروت، فيما يلجأ آخرون إلى قراءة رواسب البنّ في فنجان القهوة، آملين في إيجاد إجابات عمّا يشغل بالهم، أو معرفة ما يخبّئه المستقبل.
فـ "صفحات قراءة التاروت والأبراج والتوقعات" لم تعد مجرّد صفحات عابرة، بل تحوّلت إلى محتوى يتابعه الملايين يوميًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بحثًا عن إجابات تتعلّق بالحبّ أو العمل أو المستقبل عمومًا.
وفي السنوات الأخيرة، لم يعد الاهتمام بقراءات التاروت مجرّد فضول، بل بات ظاهرة منتشرة، تتقاطع فيها التوقعات مع المخاوف، وتلتقي الرغبة في معرفة المجهول بالحاجة إلى الاطمئنان. وبين مَن يجد في هذه الممارسات تسليةً، ومَن يتعامل معها بجدّية، باحثًا فيها عن إجابات لأسئلة تؤرقه، يبقى السؤال: ما الذي يدفع الإنسان إلى البحث عن مستقبله بين أوراق التاروت ؟
لمن لا يعرفه…
على الرغم من الانتشار الكثيف لقارئي التاروت في الفترة الأخيرة، وعلى الرغم من متابعة الكثير من الناس لهم، إلا أنه لا يزال حتى هذه اللحظة العديد منهم لا يعرفون فعلاً ما هو التاروت.
لمن لا يعرفه، يُعتقد أن أوراق التاروت ظهرت في إيطاليا خلال القرن الرابع عشر كإحدى ألعاب الورق، ثم انتشرت في فرنسا وبريطانيا، قبل أن تتطوّر تصاميمها خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر متأثرةً بثقافات وديانات آسيوية ومصرية قديمة ويهودية وهندية، فيما يرجّح آخرون أن أصولها تعود إلى مصر القديمة.
رأى بعض الباحثين أن أوراق التاروت لغة رمزية تعكس مشاعر الإنسان ورغباته، تربط التجارب الشخصية برموز عامة راسخة في الوعي الإنساني، ما يمنحها دلالات ومعاني تختلف من شخص إلى آخر.
قراءات التاروت الخاصة…ما الذي يدفع الناس اليها؟
في حديثٍ لـ"الأفضل نيوز" مع أشخاصٍ تستهويهم قراءة التاروت، وعند سؤالهم عن سبب لجوئهم إليها، تنوّعت الإجابات، لكنها التقت عند نقطة واحدة، وهي الرغبة في معرفة ماذا يخبئ الغد…
من جهتها، أوضحت "نور" أنّ أوراق التاروت تمثّل بالنسبة إليها أداةً لتحليل الواقع من حولها، من خلال فهم الآخرين ودوافعهم، وكذلك الواقع في داخلها، عبر التعمّق في مشاعرها ودوافعها الشخصية. وترى نور أنّ التاروت
بالنسبة لها هو أداة الاتصال بهذا العالم، وهو وسيلة اتصال آمنةً بـ"عالم الماورائيات" الذي لا تدركه أعيننا…
أما "سارة" التي تلجأ إلى قُرَّاء التاروت منذ عام ٢٠٢٠، فتشير إلى أنها أنفقت مبالغ كبيرة من المال قبل أن تتمكّن من العثور على القارئة التي شعرت بأنّها الأنسب لها. حيث تراوحت تكلفة بعض القراءات الخاصة التي حجزتها بين ٥٠ دولاراً إلى ١٥٠دولاراً لكل قراءة، ولم تنطبق عليها جميع القراءات إلى حين وجدت قارئة أجرت معها جلسة خاصة تضمّنت تنبؤات بأحداث مستقبلية، تبيّن أنّ معظمها تحقق، وفقاً لما ترويه.
وتوضح سارة أنّ لجوءها إلى التاروت يرتبط غالباً بحالات الحيرة التي تواجهها في حياتها، سواء تعلّق الأمر بعلاقة عاطفية أو بقرار مصيري. ففي الأوقات التي تتزاحم فيها الأسئلة في ذهنها وتعجز عن إيجاد إجابات واضحة، تجد في هذه القراءات مساحة لاستكشاف احتمالات مختلفة، ولا سيّما حين يدفعها الفضول إلى التساؤل عمّا قد يحمله المستقبل، ومع أنّها تدرك تماماً أنّ ما تكشفه أوراق التاروت ليس بالضرورة أن يتحقّق بنسبة ١٠٠٪، فإنّها ترى أنّ خوض تجربة القراءة يمنحها فرصة للنظر إلى الموضوع الذي يشغلها من زاوية مختلفة، والتفكير فيه بطريقة مغايرة.
علاوةً عمّا ورد سابقاً، أشارت "غادة" إلى أنها بدأت بمتابعة قراءات التاروت بدافع الفضول، إذ كثيراً ما كانت تستوقفها مقاطع فيديو لقارئات التاروت على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد لفتتها بشكل خاص مقاطع الريلز التي تتناول قراءات أسبوعية للأبراج، من قبيل "ماذا يقول التاروت لبرج الجدي في الأسبوع الثاني من هذا الشهر؟"…
وبالنسبة إلى غادة، لا يعني اهتمامها بقراءات التاروت بالضرورة اعتبارها وسيلةً لمعرفة المستقبل؛ فهي أحياناً تستمع إلى قراءة وتشعر بأنّها تشبه وضعها تماماً، فيما لا تجد في أحيان أخرى أي صلة بين ما يُقال وبين حياتها. لذلك، يبدو الأمر بالنسبة إليها أقرب إلى التسلية وإشباع الفضول نحو المستقبل، مع مساحة من التأمّل في الذات...
حين نعجز عن قراءة الواقع… هل نلجأ الى الغيب؟
مما لا شكّ فيه أنّ الفضول جزء من الطبيعة البشرية، وأنّ الإنسان كثيراً ما يجد نفسه غارقاً في التفكير بما قد يحمله المستقبل، سواء على الصعيد المهني أو العاطفي أو المالي أو العائلي، وغيرها من جوانب الحياة. لكن، هل يكمن السؤال الحقيقي في "لماذا يسعى الناس إلى حجز جلسات لقراءات التاروت الخاصة؟" أو "لماذا يبحث الإنسان، في الأساس، عن إجاباتٍ لمستقبلٍ سيعيشه لا محالة، وسيكتشف بنفسه ما يخبّئه له، سواء عرف ما ينتظره مسبقاً أم لم يعرف؟"
في كلتا الحالتين، تبقى قراءة التاروت حكاية الأوراق التي يلجأ إليها الناس في محاولة لاستكشاف ما قد يحمله الغد، منذ أكثر من ثلاثة قرون…

