هنادي عيسى - خاص الأفضل نيوز
بين خشبة المسرح وشاشة السينما، استطاع جورج خبّاز أن يصنع لنفسه هوية فنية خاصة، وأن يترك بصمة يصعب اختزالها في شخصية أو عمل واحد. ومؤخرًا، عاش الفنان اللبناني لحظة استثنائية خلال تكريمه في افتتاح الدورة العشرين من مهرجان بيروت الدولي للأفلام القصيرة، تقديرًا لمسيرته وإسهاماته الفنية، في مناسبة ازدادت خصوصيتها مع إعلان بلدية البترون إطلاق اسمه على أحد شوارعها القديمة، وهو الشارع الذي شهد تصوير فيلمه «غدي».
وفي حواره مع الأفضل نيوز، نتوقف عند المعاني التي حملها هذا التكريم، ووقعه على ابن البترون الذي عاد إليها محاطًا بمحبة أهله وأصدقائه، كما نستعيد تجربته المسرحية مع الفنان عادل كرم، في عمل جمعهما على الخشبة لنحو عامين، ونضيء على علاقته بالمسرح وتحدياته ومشاريعه الفنية.
ماذا يعني لك التكريم الذي حظيت به خلال مهرجان بيروت الدولي للأفلام القصيرة؟
يحمل هذا التكريم مكانة خاصة في قلبي، لأنه جاء من مهرجان سينمائي له حضوره ومكانته، ومن أشخاص أقدّر تجربتهم وجهودهم في دعم السينما اللبنانية. هو تقدير لمسيرة طويلة تنقلت خلالها بين المسرح والسينما والتلفزيون والموسيقى، ولذلك أشعر بامتنان كبير لكل من ساهم في هذه المبادرة.
هل كان لكون التكريم مرتبطًا بالبترون، مدينتك الأم، وقع مختلف عليك؟
بالتأكيد. البترون ليست مجرد مدينة أنتمي إليها، بل هي جزء أساسي من تكويني وذاكرتي وطفولتي. أن أعود إليها وأجد هذا الاحتفاء من أهلي وناسي وأصدقائي هو شعور لا يشبه أي تكريم آخر. هناك علاقة عاطفية عميقة تربطني بهذه المدينة، ولذلك كانت اللحظة مؤثرة جدًا بالنسبة إليّ. تأثرت كثيرًا خلال كلمة الشكر، خصوصًا عندما تحدثت عن والديك. ماذا أردت أن تقول لهما في تلك اللحظة؟
شعرت بأنهما يستحقان أن يكونا في واجهة هذه اللحظة، لأنهما كانا دائمًا سندًا أساسيًا لي. منحاني الحب والحرية والثقة، وتركا لي مساحة لاكتشاف نفسي واختيار الطريق الذي أريده. ما وصلت إليه اليوم لم يكن ليتحقق لولا دعمهما وتربيتهما، ولذلك كان طبيعيًا أن أتوجه إليهما بالشكر والامتنان.
أُطلق اسمك على أحد شوارع البترون، وهو الشارع الذي شهد تصوير فيلم «غدي». كيف استقبلت هذه المبادرة؟
إنها مبادرة مؤثرة جدًا، وتحمل رمزية كبيرة بالنسبة إليّ. أن يرتبط اسمي بمكان من مدينتي، وأن يكون هذا المكان تحديدًا شاهدًا على تصوير فيلم «غدي»، الذي يحمل رسالة إنسانية قريبة مني، فهذا أمر أعتز به كثيرًا. أشكر بلدية البترون وكل من ساهم في هذه الخطوة.
في مسيرتك، شكّل المسرح مساحة أساسية للتعبير عن أفكارك ورؤيتك الفنية. ماذا يمنحك المسرح ولا تمنحك إياه الوسائط الأخرى؟
المسرح علاقة مباشرة وحية مع الجمهور. لا توجد مسافة بين الممثل والمتفرج، وكل عرض يحمل خصوصيته وتفاصيله، حتى لو كان النص نفسه. أحب هذه المواجهة الجميلة، وأحب أن أختبر ردود فعل الناس في اللحظة ذاتها. المسرح يمنحني إحساسًا متجددًا بالحياة، ويجعلني في حالة بحث دائم عن الجديد.
خضت تجربة مسرحية جمعتك بالفنان عادل كرم واستمرت عروضها نحو عامين. كيف تصف هذه الشراكة؟
كانت تجربة مهمة ومميزة، لأن اللقاء بين شخصيتين فنيتين مختلفتين يفتح المجال أمام تفاعل غني على الخشبة. عادل فنان يمتلك حسًا كوميديًا خاصًا وحضورًا محببًا، وكان بيننا انسجام وتفاهم ساعدانا على تقديم تجربة استمتع بها الجمهور. استمرار العرض لنحو عامين يعكس المحبة التي حظي بها العمل والتفاعل الذي لمسناه من الناس.
هل كان العمل مع عادل كرم تحديًا على المستوى الكوميدي، خصوصًا أن لكل منكما أسلوبه الخاص؟
الاختلاف في الأسلوب يمكن أن يكون مصدر غنى، شرط أن يكون هناك احترام متبادل وفهم لطبيعة العمل. الكوميديا ليست مجرد إلقاء نكات، بل تقوم على الإيقاع والتوقيت والتفاعل بين الممثلين. عندما تتوافر هذه العناصر، يصبح الاختلاف نقطة قوة ويمنح العرض حيوية خاصة.
ماذا بقي معك من هذه التجربة بعد انتهاء العروض؟
بقيت الذكريات الجميلة، واللقاءات مع الجمهور، والتفاصيل التي لا يمكن أن تتكرر بالطريقة نفسها. هناك أعمال تنتهي عروضها، لكنها تستمر في ذاكرة الفنان من خلال الأشخاص الذين شاركوه التجربة، ومن خلال المحبة التي يتركها العمل لدى الجمهور.
هل تفكر في تكرار تجربة مسرحية تجمعك بعادل كرم؟
لا شيء مستبعدًا، فالفكرة الجميلة تستحق دائمًا أن تُدرس، لكن أي لقاء فني جديد يحتاج إلى نص مناسب ورؤية مختلفة، وليس مجرد تكرار تجربة ناجحة. المهم بالنسبة إليّ أن يكون هناك ما يستحق أن نقدمه للجمهور.
بين الكتابة والتمثيل والإخراج والتأليف الموسيقي، أين تجد نفسك أكثر؟
لا أستطيع الفصل بين هذه المجالات، لأنها تتكامل في تجربتي الفنية. الكتابة هي نقطة الانطلاق بالنسبة إليّ في كثير من الأحيان، والتمثيل يمنح الشخصيات حياتها، أما الإخراج فيتيح لي رؤية العمل من زاوية شاملة. والموسيقى لغة أخرى أحبها وأجد فيها مساحة مختلفة للتعبير.
ما الذي تطمح إلى تحقيقه في المرحلة المقبلة؟
أطمح إلى الاستمرار في تقديم أعمال تحمل قيمة فنية وإنسانية، وإلى خوض تجارب سينمائية جديدة تمثل لبنان بصورة تليق به. لا أحب أن أكرر نفسي، وأؤمن بأن الفنان ينبغي أن يبقى في حالة اكتشاف وتجدد، وأن يحافظ على علاقته الصادقة بالجمهور.

