طارق الحجيري - خاص الأفضل نيوز
وسط الأنواء والعواصف السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تضرب المنطقة، لم يعد تحييد لبنان عن الحروب ترفًا سياسيًا أو خيارًا قابلًا للأخذ والرد، بل أصبح ضرورة وطنية مُلحّة، تحمي استقرار مؤسساته الرسمية، وتحفظ ما تبقّى من اقتصاده، وتجنب شعبه أثمان صراعات لا يملك قرارها ولا يحتمل نتائجها.
الدولة طوق النجاة
لقد دفع بلدنا من حياة أبنائه وأرزاقهم وممتلكاتهم ثمنًا أكبر من قدرته، وضاعت عليهم سنوات كثيرة كانت كافية لصناعة مستقبل زاهر. فبعد أخذ لبنان رهينة، بات صندوق بريد لتبادل الرسائل النارية الإقليمية، وقد أثبتت التجارب السابقة أنّ كلّ المواجهات التي استُدرِج إليها، لم يجنِ منها سوى الدمار والتهجير والانهيار. وفي النهاية يذهب الجميع، داخليًّا وخارجيًّا، إلى تحميل الدولة ومؤسساتها الشرعية مسؤولية حماية اللبنانيين وصون سيادة بلدهم وفرض القوانين.
ومن هنا، فإن التمسك بالدولة ليس شعارًا سياسيًّا آنيًّا، بل هو طوق النجاة الوحيد. فلا استقرار من دون قرار وطني موحّد، ولا سيادة فعلية في ظل تعدد مراكز القرار، ولا يحمي لبنان غير جيشه ومؤسساته الشرعية الدستورية القادرة على إدارة علاقاته ومصالحه وفق ما تفرضه المصلحة الوطنية العليا.
دعم الجيش أساسي
وفي هذا السياق، فإن التطورات التي أدّت إلى تأجيل مؤتمر دعم الجيش وما رافقها من شروط ومواقف صارمة وواضحة، مرتبطة بحصرية السلاح، تفرض على المسؤولين اللبنانيين التعامل بحكمة وهدوء، بعيدًا من الانفعالات والمزايدات، والذهاب إلى معالجة العراقيل بالحوار والدبلوماسية الرصينة، بما يحفظ كرامة لبنان ويضمن عودة الدعم للمؤسسات العسكرية والأمنية الشرعية، باعتبارها ركيزة أساسية في حماية السيادة والاستقرار.
كذلك، لا يجوز لأيّ فريق كان، مهما بلغت قوته وارتباطاته، أن يفرّط بعلاقات لبنان مع أشقائه العرب، فهي عمقه الطبيعي وامتداده التاريخي والاقتصادي والثقافي، ويجب العمل على إعادة ترميم هذه العلاقات وتعزيزها بالثقة المتبادلة والوضوح، لأنها تُشكّل مصلحة لبنانية عليا لا تحتمل المساومة والمزايدة واللعب بها.
إنّ عملية تحييد لبنان تبدأ بإعادة قراره إلى الدولة، والاحتكام إلى دستورها وقوانينها، والابتعاد عن مغامرات الآخرين. فلبنان ليس بحاجة إلى مزيد من الحروب، بل إلى فرص الحياة والتنمية والتطور والازدهار. والدولة وحدها، بكل مؤسساتها، تبقى طريق الخلاص وطوق النجاة.

