ندى أندراوس_خاص الأفضل نيوز
يكفي قرارٌ بإطلاق النار من لبنان كي يصبح وقف الحرب فيه رهناً بمفاوضات تُدار خارجه. فإذا تجدّدت الضربات على إيران واختار حزب الله فتح جبهة إسناد جديدة، سيكون في وسعه تحديد ساعة الدخول في المواجهة، فيما ستحدّد إسرائيل مدى ضرباتها، وقد يتفاوض الآخرون على توقيت وقفها. وقد تجد واشنطن وطهران مصلحة في هدنة فيما تكون إسرائيل قد وسّعت احتلالها في الجنوب، وعاد أهالي القرى إلى النزوح. بهذا المعنى يُقرأ تحذير رئيس الحكومة نواف سلام بعد لقائه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في بعبدا. فالتمسّك بحصرية قرار الحرب والسلم اليوم يحفظ للدولة قدرتها على التحرّك قبل أن يصبح مصير الجنوب بنداً مؤجّلاً في تسوية تخصّ الآخرين.
لم يسمِّ سلام حزب الله، لكنّ سابقة دخوله المواجهة عقب الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران تفسّر الجهة المعنيّة بالتحذير. ومع تجدّد التهديدات الأميركية لطهران واستمرار المساعي الديبلوماسية، قد يرى الحزب أنّ تدخّله يشتّت الجهد العسكري الإسرائيلي ويمنح إيران ورقة ضغط إضافية. ويضع موقف الدولة هذا الحساب أمام سؤال لبناني مباشر: ما المصلحة التي يحقّقها فتح الجبهة للبنان، قياساً إلى الخطر الذي سيتحمّله؟ وطرح السؤال قبل وقوع الضربة يتيح للدولة أن تطلب من الحزب التزاماً واضحاً بموقفها فيما لا يزال المجال متاحاً للتحرّك السياسي.
في المقابل، قد تتّخذ إسرائيل أيّ هجوم من الأراضي اللبنانية ذريعة لتوسيع غاراتها أو تكثيف عملياتها البرية. وقد أظهرت التجربة السابقة كيف امتدّت الضربات من محيط الحدود إلى مناطق أبعد في العمق اللبناني. وفي مواجهة جديدة، قد تستخدم إسرائيل التصعيد لتثبيت وجودها العسكري في مواقع تحتلّها أو للتقدّم نحو مواقع إضافية، بما يزيد صعوبة الانسحاب لاحقاً. وتتحمّل إسرائيل مسؤولية خياراتها العسكرية وتبعاتها على المدنيين، أياً تكن الذريعة التي تسوقها لتبريرها.
وتبدأ كلفة التصعيد في الجنوب قبل أن يتّضح نطاقه. فالعائلة التي أصلحت منزلها قد تضطرّ إلى المغادرة مجدّداً، والمزارع الذي عاد إلى أرضه قد يخسر موسماً كاملاً، والمدرسة التي استعادت تلاميذها قد تقفل أبوابها مع أوّل موجة نزوح. وقد يطاول هذا الشلل بلدات بعيدة عن مواقع الغارات إذا تعذّر الوصول إليها أو تعطّلت خدماتها. لذلك، حين استحضر سلام ما دفعه الجنوبيون من أرواحهم وبيوتهم وأرزاقهم، وضع في صلب النقاش حقّهم في أن تُحتسب قدرتهم على البقاء في بلداتهم عند اتخاذ أيّ قرار يمسّ أمنهم.
في حسابات بعبدا، أخطر ما قد يترتّب على ربط الجبهة اللبنانية بالمواجهة مع إيران هو أن تفرض إسرائيل وقائع ميدانية جديدة قبل أن يستأنف التفاوض على وقف النار. فإذا وسّعت انتشارها داخل المزيد من الأراضي اللبنانية أو فرضت قيوداً على الحركة في القرى الحدودية، فقد ينجح الوسيط الأميركي في وقف القتال، فيما يبقى الانسحاب وعودة الأهالي موضع تفاوض. عندها تدخل بيروت أيّ جولة لاحقة وهي مطالَبة باستعادة ما خسرته خلال المواجهة، وقد تجد إسرائيل في وجودها العسكري ورقة لانتزاع ترتيبات أمنية إضافية. من هنا تأتي مصلحة لبنان في تأكيد مطالبة واشنطن، بمسار مستقلّ عن مفاوضاتها مع طهران، يعالج وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي، ويربط تنفيذ القرار 1701 بانتشار الجيش اللبناني وقدرة الأهالي على العودة إلى قراهم.
وإذا تجدّدت الضربات على إيران، يُختبر موقف جوزاف عون ونواف سلام عند أول قرار ميداني. فأيّ عملية ينفّذها حزب الله خارج قرار الدولة قد تمنح إسرائيل ذريعة لتوسيع الحرب، وتضع الجيش اللبناني أمام مهمّتين متزامنتين: حماية المدنيين وإدارة انتشارٍ قد تعرقله الغارات أو التوغّلات. وفي المقابل، يُختبر الدور الأميركي بقدرة واشنطن على الضغط على إسرائيل لمنعها من استغلال التصعيد الإقليمي لتوسيع احتلالها في الجنوب. ولهذا فإنّ حصرية قرار الحرب والسلم مسألة تتعلّق بمن يملك تقرير مصير الأرض بعد توقّف المدفع. فقد تنتهي المواجهة مع إيران باتفاقٍ في الخارج، فيما يجد اللبنانيون أنفسهم يتفاوضون من جديد على حقّهم في العودة إلى بيوتهم.

