راما الجراح - خاص الأفضل نيوز
بعد سنوات على الجائحة التي غيّرت حياة العالم، لا يزال فيروس كورونا يسجل إصابات ويتطور مع ظهور متحورات جديدة تحمل طفرات جينية متعددة. وفي وقت تتزايد فيه التساؤلات حول طبيعة هذه المتحورات ومدى خطورتها، لا يبدو المشهد اليوم مشابهاً لما شهده العالم في بدايات انتشار الفيروس، بعدما اكتسبت المجتمعات مناعة أوسع وتطورت الخبرة الطبية في تشخيص الإصابات والتعامل معها. لكن ذلك لا يعني اختفاء الفيروس أو الاستغناء عن الاحتياطات، خصوصاً مع تسجيل إصابات جديدة في لبنان.
وفي هذا السياق، أفاد ممرض يعمل في قسم الطوارئ بأحد مستشفيات البقاع، في حديث لـ"الأفضل نيوز"، بتسجيل إصابات بفيروس كورونا، مشيراً إلى أن بعض الحالات تستدعي اتخاذ إجراءات احترازية للحد من انتقال العدوى. ومن بين الحالات التي رصدها الموقع، كشفت السيدة (م. خ) أن شقيقتها وابنتها البالغة من العمر ستة أشهر تخضعان للحجر داخل غرفة منفصلة، بعدما جاءت نتيجة فحص ابن شقيقتها إيجابية قبل يومين، ما دفع العائلة إلى عزلهما احتياطياً لتجنب انتقال العدوى إليهما، ولا سيما أن الأمر يتعلق بطفلة رضيعة.
وتأتي هذه الإجراءات في إطار الوقاية وحماية الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات، ولا سيما الرضع وكبار السن والأشخاص الذين يعانون أمراضاً مزمنة أو ضعفاً في المناعة. كما أن تبدل الطقس وانخفاض درجات الحرارة خلال هذه الفترة يساهمان في زيادة نشاط الفيروسات التنفسية وسرعة انتقالها، ما يجعل الاحتياطات الصحية أكثر أهمية، خصوصاً داخل المنازل والأماكن المغلقة. وفي هذا السياق، لا يعني تسجيل الإصابات أو اللجوء إلى العزل المنزلي بالضرورة وجود متحور أشد خطورة، بل قد يكون الإجراء وقائياً لتقليل فرص انتقال العدوى.
أما على المستوى العالمي، فيثير المتحور الجديد «PJ.2.1» اهتمام الباحثين بسبب العدد الكبير من الطفرات التي يحملها، ولا سيما في البروتين الشوكي المسؤول عن دخول الفيروس إلى الخلايا البشرية. وقد رُصد هذا المتحور منذ أربعة أشهر، في عام 2026، وسُجل انتشاره في كندا والولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية. وأظهرت دراسة أجراها باحثون ألمان أن لديه قدرة مرتفعة على الارتباط بمستقبل «ACE2» الموجود على الخلايا البشرية، لكنه لم يُظهر قدرة استثنائية على التهرب من الأجسام المضادة مقارنة بعدد من المتحوّرات الأخرى التي شملتها الاختبارات.
وفي تفسير هذه التغيرات، يشير الدكتور ألبرت ريزانوف، رئيس مركز التميز للطب الشخصي في جامعة قازان الفيدرالية، إلى أن ظهور متحورات تحمل عدداً كبيراً من الطفرات لا يشكل بحد ذاته مؤشراً على اقتراب موجة خطيرة. ويستشهد بمتحور «BA.2.86» المعروف باسم «بيرولا»، موضحاً أن بعض هذه التغيرات قد تتراكم لدى أشخاص يعانون ضعفاً في المناعة، نتيجة استمرار العدوى لفترات طويلة، ما يمنح الفيروس فرصة للتطور والتكيف. ويؤكد أن زيادة عدد الطفرات أو تحسن قدرة الفيروس على دخول الخلايا لا يعنيان بالضرورة أنه سينتشر بسرعة أكبر أو سيسبب مرضاً أكثر حدة.
وبذلك، تختلف الصورة الحالية عن السنوات الأولى للجائحة، فظهور متحور جديد لا يعني تلقائياً العودة إلى الإقفال والحجر الشامل، كما أن ارتفاع أعداد الطفرات لا يكفي للحكم على مستوى خطورته. ويبقى تقييم أي متحور مرتبطاً بقدرته الفعلية على الانتشار، وشدة الأعراض التي يسببها، ومدى تأثيره على المناعة، وهي مؤشرات تحتاج إلى متابعة ودراسات مستمرة.
أما في لبنان، فتبرز أهمية رصد الإصابات والتعامل معها بمسؤولية، خصوصاً عندما تتعلق بالأطفال والمرضى الأكثر هشاشة. وبين الإصابات المسجلة والطفرات الجديدة، يبقى كورونا فيروساً مستمراً في التطور، لكن المعطيات العلمية المتاحة لا تقدم حتى الآن ما يكفي للحديث عن موجة خطيرة جديدة. فالمطلوب ليس إثارة الهلع، ولا الاستهانة بالإصابات، بل تعزيز الوقاية، والالتزام بالإرشادات الطبية عند ظهور الأعراض، وحماية الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات.

