ممتاز سليمان - خاصّ الأفضل نيوز.
لقد تحدثنا سابقًا في مقال بعنوان خريفُ الفراغاتِ الكبرى عن الخواء والشلل الذي ستعانيه المؤسساتُ السياسيةُ والدستورية بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون، في ظلِّ الفشل في تشكيل حكومة جديدة قبل انتهاء عهده، باعتبار الحكومة الحالية هي مستقيلة منذ الانتخابات النيابية التي جرت في أيار الماضي، والفشل الذريع في انتخاب رئيس جمهورية بعد أكثر من شهرين على انتهاء الولاية الرئاسية، وسط مشهدية هزلية في جلسات مجلس النواب، بعيدا من الدستور وروحه.
في مقالنا السابق ذكرنا أنَّ البلادَ مقبلةٌ على حالةٍ من الاستعصاء السياسيِّ والدستوريِّ في حال عدم المبادرة إلى تدارك الوضع، وتحمل المسؤولية وملء الشواغر في المؤسسات الدستورية بما يعيد استقامة العمل الدستوريِّ والسياسيِّ في البلاد الذي لا بد منه لمواجهة الانهيار الاقتصادي المتسارع في ظلِّ الفراغ والانكماش الحاليين. فالجمودُ والمراوحةُ القاتلين الذين فرملا كلَّ عمل مؤسسات الدولة، وسط مناكفات مكونات المنظومة السياسة ونكاياتها بين بعضها البعض، فيما يترك الناس لمصيرهم دون أدنى معالجة لقضاياهم المعيشية اليومية، فملفُّ الكهرباء مثلا الذي تصدعت به رؤوسنا من خلال المؤتمرات الصحافية والإطلالات التلفزيونية حول قرب تحسين التغذية بما يلامس العشر ساعات يوميا، لم نلمس منه سوى ارتفاع في التعرفة، فيما الكهرباء بقيت غائبة، وغدًا ستأتي فواتير الكهرباء وفق التسعيرة الدولارية لتلهبَ جيوب المواطنين، وستراهم يدفعون مجددًا ضريبةً على خدمة لم يحصلوا عليها كما جرت العادة.
في خضمِّ هذا التَّردِّي على المستويات كافة، برزت احتياجات اجتماعية واقتصادية لا يمكن الهروب منها أو التغاضي عنها، فالموضوع الاستشفائيُّ الصحيُّ وفتح اعتمادات للمستشفيات، وموضوع شراء الأدوية السرطانية، والمواضيع الاجتماعية الملحة التي لا يمكن تسييرها إلا بقرارات صادرة عن مجلس الوزراء حتمت على رئيس الحكومة المستقيلة الدعوة إلى جلسة للمجلس.
هذه الدعوةُ أثارت كباشًا واشتباكًا سياسيًّا ودستوريًّا بين التيار الوطني الحر من جهة وبين رئيس الحكومة، اشتباك تسعر واشتد غداة الدعوة للجلسة التي يعتبرها تكتل لبنان القوي غير شرعية وغير دستورية، وتشكل برأيهم سطواً على صلاحيات رئيس الجمهورية في ظلِّ الفراغ الرئاسيّ، فبدأت الحملات من قبل التيار وجمهوره على رئيس الحكومة من هذا المنطلق.
بالمقابل، أبدت معظم الكتل النيابية المشاركة في الحكومة موافقتها على عقد الجلسة طالما أنها لتسيير وتيسير شؤون ضرورية وملحة، ومن ضمنها ثنائي حركة أمل وحزب الله والتقدمي الاشتراكي والمردة وبالطبع الوزراء المحسوبون على رئيس الحكومة.
من الناحية الدستورية، فإنَّ المادة 64 من الدستور نصت على أنَّ رئيس مجلس الوزراء يدعو لجلسة مجلس الوزراء ويضع جدول أعماله منفردا، ويطلع رئيس الجمهورية عليه،
كما نصت نفس المادة على أنَّ الحكومة المستقيلة لا تمارس مهامها الا بالمعنى الضيق لتصريف الأعمال،
فانطلاقا من انفراد رئيس الحكومة بالدعوة لعقد جلسة، وانطلاقا من أنَّ الدستور لم يمنع الحكومة من الاجتماع حال الاستقالة، وسمح لها بالاجتماع لتصريف الأعمال بالحدِّ الضيق، فضلا عن حالات الضرورة الصحية والاجتماعية التي لا يمكن معالجتها الا بقرارات حكومية، زد على ذلك المبدأ العام القاضي باستمرارية المرفق العام ،تجد دعوة ميقاتي سندا دستوريًا وشرعيًا لها خلافًا للقول بأنَّ تصريف الأعمال يتمُّ من خلال الوزراء كلٌّ على حدة من خلال وزارته.
ولكن في المقابل، لا يمكن اعتماد جدول أعمال فضفاض أو اعتياديٍّ خارج عن الحالات والحاجات الملحة، لأن في ذلك إهمال لموقع رئاسة الجمهورية كأحد رأسي السلطة التنفيذية، وتكريس للفراغ واستسهال تسيير أمر الدولة في ظلِّ شغور الموقع الأول فيها.
يبقى الحلُّ الوحيدُ لتفادي هكذا اشتباكات سياسية ودستورية هو أعمال التخلي عن الأنانيات السياسية، وإعمال النصوص الدستورية وانطلاق مجلس النواب إلى انتخاب رئيس للبلاد وفق الدستور بعيدا من التأويل والتحليل وانتظار التوافق الذي يبدو بعيدا.

