ريمان علي- خاصّ الأفضل نيوز
في ظلِّ الوضع الاقتصاديِّ المتردّي في لبنان، تصدَّرتِ السَّرقاتُ وعمليّات الخطف والجرائم الشّارع اللُّبناني، حتَّى بِتْنا لا نخرج من المنزل إلاّ وبحوزتنا "سكّين" أو "بخّاخ"! ولا نُصَبِّح أو نُمْسي إلّا على خبر سرقةٍ صغيرةً كانت أم كبيرة، أو نهرع في الشوارع كالمجانين، بحثًا عن مفقودٍ من المنطقة، ذهب ولم يَعُد... "ويا غايِب إلك الله".
لقد أصبحت الحياة في لبنان أشبه بلعبة GTA العالم المفتوح، حيث نرى اللاعبَ يمشي في الطريق، يسرق السيارة أو الدراجة التي تعجبه ببساطة من خلال رمي صاحبها على الطريق، ومن ثمَّ ينطلق اللاعب في طريقه، "ولا مين شاف ولا مين دِري". وإذا لم يقبض عليه الشرطي خلال الواقعة، فلا داعي للقلق، لأن الشرطة لن تتمكن من ملاحقته لعدم توفُّر كاميرات المراقبة في الكثير من المناطق والمحال، فينجو السارق من دون أثر. أمّا السيناريو الأكثر رعبًا هو عندما يقتل اللاّعب الشخص أثناء محاولة السرقة، ويرميه على جانب الطريق! مثلما حدث مع ابنة بعلبك "ندى شبشول"، التي اعترضت طريقها عصابةُ سلبٍ مُسلَّحةٌ قرب السّوق الشّعبي، وأطلقت النار عليها بعد سلبها هاتفها الخليوي ومبلغًا من المال كان بحوزتها. فهل ألهمتهم هذه اللّعبة؟ أم أطلق الوضع العصيب الذي نمرُّ به العنان لِحِسّهم الإجرامي سعيًا للبقاء على قيد الحياة؟.
في لبنان، يكاد المواطن لا يخرج من منزله إلّا مسلَّحًا بسكين غير مسنَّن من باب الحيطة، لإخافة "سارق" من الممكن أن يعترِضه في أيِّ لحظة، أو يُبَرِّد خوفه بوضع "بخاخ فلفل" في حقيبته أثناء ارتياده المواصلات العامّة، في حال اصطحبه سائقٌ محتالٌ إلى جهةٍ مجهولة، ليتضح بعدها أنّه أحد أفراد عصابة نشل.
وأضحى الكابوس الأسوأ للّبناني هو الخروج من المنزل، فإذا ذهب إلى البقالة بسيّارته أو درّاجته على سبيل المثال، يحرص على إحكام قبضته على حقيبة أمواله أثناء دفع الحساب، خوفًا من أن ينتشلها أحدهم من يده ويهرب. ويتصبّبُ العرق من جبينه قلقًا، حتى يخرجَ من البقالة ويطمئنّ أنّ سيارته أو دراجته ما زالت في مكانها، فمن الممكن أن تختفي في لحظات، حيث غزت عصابات سرقة الشاحنات البلاد "كموجة جراد". ولعلّ أحدث ما يمكن الاستدلال به هو قبضٌ على يد قوى الأمن الداخلي، لعصابة سرقة للدراجات في البقاع الغربي- راشيا في 29 تشرين الأول 2022، ثمّ ما لبثت، بتاريخ 21 تشرين الثاني 2022، إلى أن قبضت على عصابة أخرى بالجرم المشهود، في محلة البوار، أثناء محاولتها سرقة دراجة آلية من أمام منزل صاحبها.
التّفكير السّائد الذي بات يجول خاطر اللّبنانيّين هو الحذر من ارتداء الملابس الثمينة، أو ساعة Rolex التي قام أحد أقربائه الذين يعيشون خارج البلاد بتقديمها له هديّةً في إحدى المناسبات المهمّة، وبات استبدال السيارت ذات المظهر الراقي بسيارة "عقد الحال" بسرعة أمرًا ضروريًّا، فجميع هذه الأشياء قد تكون سببًا في قتلك! ولا يهم أيًّا كانت الضّحيّة، إذ تعرّضت المحاميّة نيكول روحانا إلى عمليّة سلب لسيارتها "الجيب" من نوع FJ، بعد أن صوّب السارق السلاح في وجهها! ومن يدري، لعلّ صراخها في تلك اللحظة كان ليصبحَ كفيلًا بالعثور عليها جثّة هامدةً مصابةً برصاصةٍ بالرأس في إحدى أحراج المنطقة.
وعلى مستوى القوى الأمنيّة، نشطت التحذيرات نتيجة انتشار عمليّات الخطف بشكلٍ واسعٍ في عددٍ كبيرٍ من المناطق اللّبنانية، والسّبيل الوحيد لإنقاذ حياة المخطوفين هو بِتَخَلّي أقربائهم عن "شقى عمرهم وحصادهم طوال سنيّ حياتهم" لتقديمها فديةً على طبقٍ من فضّة، ومعَطّرة بدموع اللّوعة والحسرة، للخاطفين. الذين يوفون "الجَميل" برمي الضحيّة في إحدى زواريب المنطقة، وإرسال رسالة إلى الأهل يعلمونهم بها بمكان الضحيّة!
ولعلّ هذه العصابات استهلّت "هوايتها" "عالعميانة"! فبات أفرادها يستهدفون "الأخضر واليابس" من الأشخاص الموجودين في منطقة معزولة دون معرفة وضعهم الماديِّ حتى... فيكتفي الخاطفون بالاتصال بإحد أقرباء الضحيّة، ورمي أيِّ رقمٍ يجول في رأسهم في اللحظة عينها، وتحديد مهلة للدّفع مرفقة بعبارة "ما تضيّعلي وقتي"، فوقت هؤلاء ثمين جدًّا، ويريدون الحصول على المال وإفراغ "المغارة"، واصطياد فريسة أخرى في أسرع وقت لعلّها تستحق "وزنها ذهبًا"! وميزان الخاطفين "طابش" في جميع الحالات، إذا ما دُفِعَت الفدية، يُفرِغ جسد المخطوف من الأعضاء، ليتم بيعها مقابل ملايين الدولارات.
في هذا البلد، تُبقي يدك على قلبك 7/24 لانعدام الشعور بالأمان، فعندما تخرج من المنزل، يجتاحك خوفٌ وقلقٌ من أن تعترضك عصابة لسلب السيارات، تنجو من هذا الخطر، لِيَنتابك خوفُ آخر من أن ينتشل أحدهم حقيبتك من يدك ويهرب، ويرافقك ذعر التعرّض للخطف وتستمر بالتلفُّت يمينًا وشمالًا، حتّى تدخل منزلك وتحكم إغلاق الباب بالمفتاح، وتتأكّد مرارًا وتكرارًا من أنّك فعلًا قد قمت باقفاله.
ورغم ذلك، لا تستطيع أن تلقي برأسك المُثقَل على وسادتك، وإراحة جفونك إلّا وفي حضنك بندقيّة، تحسُّبًا لاقتحام منزلك من قبل عصابة لسرقة المنازل... "واللّه يعيننا عاللي جايينا بعد"!

