إسلام جحا _ خاصّ الأفضل نيوز
يكادُ لا يخلو بيتٌ لبنانيٌّ من تسلُّل آفة التَّدخين إلى شبابه بحجَّة أنَّها مجرَّد "تنفيخ"، ولكن ماذا لو تحوَّل هذا التَّنفيخ إلى نكهة الحامض والنَّعناع أو التُّفاحتين والفراولة أو الموز والحليب ربّما... لا أعلم؛ لتصبحَ السّيجارة "إلكترونيَّة" في أفواه الصِّغار والكبار، وتضربَ عصبَ المجتمع، وتطالَ المراهقين تحديدًا، الذين يفضَّلون "التَّدخين الكلاس" أو "الفايب" كأحد مظاهر التَّقدُّم التي تشعرهم بالرّجولة أو الجذب غير عابئين بمضارها.
وفي الزَّمن الذي باتت فيه المحرَّمات من المسموحات، فإنّك لن تستغربَ من شبانٍ مراهقين يرتادون درّاجةً ناريّةً أو سيّارة مع "سيجارة" مختلفة تشبه تلك التي تُدمنها الشَّخصيَّات في المسلسلات القديمة أيّام الانتداب، مع مشروب الطاقة أو غيره؛ لتمنحهم شيئًا من الرِّضى الذي تُسوِّق له وسائل التَّواصل الاجتماعيّ.
وفي مجتمعاتنا، تغزو السَّجائر الإلكترونيّة_ VAPE، الصَّيدليّات اللُّبنانيَّة، كما أنَّ بعض الشّركات والمندوبين يقومون ببيعها أونلاين عبر خدمة "الدّيلفري" عن طريق الإنترنت وبالدولار أيضًا، لتكون في متناول الجميع سواء أكانوا طلّاب مدارس أو مراهقين أو شبانًا ما ينذر بتحدٍّ كبيرٍ على مكافحة هذه الظّاهرة المتفشيَّة في صفوف عددٍ لا يُستهان به من الفئة التي تعدُّ بمثابة الحارس على القيم المجتمعيَّة.
ولمن لا يعلم عن السّيجارة الإلكترونيَّة"، دعوني أخبركم عنها: فهي تصنع مزوَّدةً بالبطاريّات القابلة للشّحن لمحاكاة سجائر التّبغ الحقيقيّة، وهي تنفث بخار الماء المصحوب بالنّيكوتين الموجود في كبسولة، ليستنشقه المستخدمون كما لو أنَّهم يدخّنون حقًّا سيجارةً مشتعلةً.
وفي لبنان، تتراخى وزارةُ الصِّحَّة في الحدِّ من إنفاذ قانون ١٧٤ الحدّ من التّدخين، مبرّرةً ذلك بتنشيط السّياحة وتعزيز الاقتصاد، لكنّها في الحقيقة ترتبط بمصالح شركات التّبغ العالميّة. هذا على الرّغم من إصدار وزير الصّحّة علي حسن خليل في ١١ كانون الأول ٢٠١٣ قرارًا بمنع استيراد جميع أنواع السّجائر والنّراجيل الإلكترونيّة وتداولها، وسحبها من الأسواق اللُّبنانيَّة، فإنَّ تجارة هذا المنتج لا تزال رائجةً في لبنان، بعد أن تحوَّلت في مرحلة أولى إلى البيع عن طريق الانترنت، عادت إلى رفوف الصّيدليّات اللُّبنانيَّة على الملأ، إضافةً إلى انتشار الإعلانات غير المباشرة، وعدم القدرة على ضبط منع التَّدخين في الأماكن العامّة، والتّشدُّد في وضع التَّحذيرات الصٌِحّيّة المدوّنة على الأغلفة، في ظلِّ الأزمات الصِّحّيَّة المتتالية التي ضربت موجاتها البلاد.
وعن تأثير تركيبة السّجائر الإلكترونيَّة على صحّة الإنسان، فإنّ الكبسولة مصمّمةٌ لإعادة تعبئة النّيكوتين، ومعطّر، وفيها مادّة "بروبيلين غليكول"، وهي ملحقٌ غذائيٌّ يُستعمل في تقطيع التّبغ لحبس الرّطوبة. ومن المعلوم أنّ النّيكوتين مادّةٌ سامّةٌ تُستخدَم في مبيدات الحشرات، وتسبّب هذه المواد مشاكلَ في القلب والشّرايين، وارتفاعًا في ضغط الدّم وتسارعًا في دقّات القلب. ويمكن لبخار السّجائر الإلكترونية أن يحتوي على كميّاتٍ صغيرةٍ من المواد الكيميائيّة. كما أنّ مادّة "بروبيلين غليكول" مصرَّحٌ باستعمالها كمادّة غذائيّة، لكن استنشاقها بعد التبخّر يمكن أن يسبب مضاعفاتٍ صحّيّةً. وما يزيد الطّين بلّة هو أنّه لا تُوضع أيّة تحذيراتٍ صحّيّةٍ على هذه العُلب، على الرغم من أنّ مستويات النّيكوتين تختلف بين سيجارةٍ وأخرى، وإذا اخذ في جرعاتٍ عاليةٍ، يمكن أن يكون النّيكوتين قاتلًا.
وبشأن تأثيرها أيضًا، تبيّن إدارة الغذاء والدّواء الأمريكية عن أنّه تمّ الكشفُ عن وجود بعض العناصر المسبّبة للسّرطان في ماركات معيّنةٍ من السَّجائر الإلكترونيّة، ممَّا دفع بخبراء الصِّحّة إلى تحذير المستخدمين من هذا الأمر. وفي غضون ٤٠ أو ٥٠ عامًا، سنشهد إصاباتِ بسرطان الرِّئة والتهاب الشُّعب الهوائيَّة المزمن، وأمراض الرّئة الخطيرة الأخرى نتيجةً لتدخين السّجائر الإلكترونيّة، وهذا قد يكون أقلَّ بكثيرٍ من المشكلات الصّحيّة الأخرى التي قد تصيب المدخّنين .
"السّجائر الإلكترونيَّة تجعل المراهقين مدمنين على النّيكوتين"، خصوصًا أنَّها تنتشر بشكلٍ كبيرٍ بين المراهقين وطلاب المدارس. وزادت تسبةُ استخدامها والإدمان عليها بين عامي د٢٠١٤ و٢٠٢٢. ففي العام الماضي ارتفعت تسبة الإدمان إلى ٢٤٪، وأنّ أكثر من مليونَي طفلٍ تقريبًا في الولايات المتّحدة، مدمنون عليها، بما تحوي من مغرياتٍ الألوان وأسماء ونكهات صديقة للأطفال والمراهقين.
وفي السّياق، أظهر تقريرٌ لأكاديميّات العلوم والطّبّ في الولايات المتّحدة أنّ السّيجارة الإلكترونيّة قد تزيد من خطر إدمان الشَّباب على التّدخين، إلا أنّها أقلّ خطرًا على الصّحّة من السّجائر العاديّة، ممّا دفع ب١٠ آلاف شخصٍ من المستهلكين المتضرّرين برفع ٥ آلاف شكوًى ضدّ شركة "غول" أمام المحكمة دفعتها إلى عقد اتفاقٍ معهم إثر اتّهاماتٍ لها باستهداف المراهقين بالأذى الجسديِّ في استراتيجيّتها التّسويقيّة وبيع منتجاتها لهم.
تحتاج سياسةُ مكافحة التَّدخين تضافرَ الجهود في الاتّجاه الصَّحيح؛ لحماية الشباب والمراهقين من تفشّي هذه الظّاهرة أكثر بين صفوف طلّاب المدارس، مع تكاثر الأمراض السّرطانية في لبنان والعالم في ظلّ عجزٍ حكوميٍّ عن تأمين الأدوية من أجل المقاومة للاستمرار في بلدٍ يصارع أهله من أجل الحياة.

