زياد العسل_ خاصّ الأفضل نيوز
في خضمِّ الأزمةِ اللُّبنانيّة، التي بدأت تداعياتُها تظهرُ في السّنوات الأخيرة، نشطت حركةُ الهجرةِ أكثر، الأمرُ الذي بدأ يطرحُ أسئلةً جديّةً وواضحةً حول الإفراغِ الممنهج للبنان من طاقاتِه الشّبابية، فهل أضحتِ الهجرةُ قدرًا لا خيارًا؟.
"لا أملَ لي بهذا الوطن، حتى لو تمَّ انتخابُ رئيسٍ للجمهورية، وتشكيل حكومة، لن يستطيعا معالجة الواقع الاقتصاديِّ والاجتماعيِّ المنهارين منذ سنوات. هذا ما يقوله إيهاب (٢٨ سنة_ مجازٌ من الجامعة اللّبنانيّة في قسم الفيزياء)، حيثُ يسعى مع أقاربه منذ نحو عامٍ ونيّف لمغادرة لبنان، والعمل بأيّة وظيفة في الخارج؛ ليكونَ راتبُه مدولرًا؛ ما يمكّنه من عيشِ حياةٍ لائقٍةٍ، وإرسال الأموال لذويه في لبنان، فراتبه لا يزال على العملة الوطنية، معادلًا ثمن نقله من المدرسة التي يدرّس فيها مادة الفيزياء.
الأمر نفسه تقوله نغم ( ٣١ سنة،مجازة منذ سنوات من الجامعة اللبنانية في الحقوق)، إذ تؤكد أنّهُ لا مناصَ من الهجرة بأي شكل من الأشكال، حتى لو كان "الهروب بحراً"، وتكتفي نغم بتنهيدة عتبٍ على بلادها لتنهي قائلة: "طريق المطار هوي طريق السعادة".
إنّ موجات الهجرة "ترتبط عادةً بالأوضاع الاقتصادية والفوارق بالدخل بين البلد الأم والبلاد المهاجَر اليها.وبينما يمثل الأمن جزءاً من العوامل الضاغطة، لكنَّ قرارَ الهجرة يقوم على أسبابٍ اقتصاديّةٍ بالدرجة الأولى وتردي الخدمات العامة وعدم الشّعور بالأمان، إضافةً إلى وجود الروابط العائلية والمعارف في الخارج، وهو أمرٌ مساعدٌ يتوفّر لمعظم اللبنانيين، وفق ما أكد سابقاً أستاذ السياسات في الجامعة الأمريكية في بيروت ناصر ياسين.
وفق أرقامٍ أجرتها أكثر من شركة إحصاء، فإنّ" 79,134 شخصًا قد غادروا لبنان منذ 2021 فقط. وهي أكبر نسبةٍ من الهجرة المسجَّلة في السنوات الأخيرة، وهو ما سيؤدّي إلى إلى نقصٍ كبيرٍ في اليد العاملة الوطنيّة، وبالتالي حلول اليد العاملة الأجنبيّة بقوّةٍ في السوق الوطنيّة، وهذا الأمرُ له تأثيره البعيد المدى على المهاجرين، في ظلِّ هذه الظروف، حيث إنَّ النقمة قد تبعدهم لسنوات طويلةٍ، إن لم نقل هجرة جماعيّة وفردية غاضبة لا عودة منها البتّة.
زيارةُ مكاتب الأمن العام اللّبنانيِّ في السّنوات الأخيرة المنصرمة كفيلةٌ بإخبارك كلَّ شيءٍ عن توق اللّبنانيين لمغادرة "التراجيديا" اليوميّة التي يعيشونها، والزيادة في الطلب على جوازات السّفر بين عامي 2021 و2022 بنسبةٍ لا تقلُّ عن 80%، هو دليلٌ قاطعٌ على الكفر بالواقع، والهجرة هذه قد يكون من الصّعب تقديرُ خسائرها على الفرد والمجتمع والاقتصاد. فهل سيبقى شعبٌ ليتصارعَ السّاسة على زعامته؟ أم أنّهم سيستفيقون يومًا ليروا أنَّ شعبهم بات من كهلةِ القوم والأجانب؟.

