د. علي دربج- خاص الأفضل نيوز
لا يمكن لاي دولة بالعالم، ان تضاهي براعة الولايات المتحدة في اتقان فنّ الخداع والممارسة التطبيقية لآفة الكذب والسخرية من الامم والشعوب، عندما مقاربتها للسلوك الدموي لإسرائيل في حربها الدموية القائمة بغزة.
ففي حين يكشف حوار حاد حذر فيه مسؤول أمريكي رفيع المستوى نظرائه الإسرائيليين من "الضرر" الذي قد يلحق بسمعتهم نتيجة للحرب المستمرة في غزة، تتبنى إدارة الرئيس جو بايدن بالمقابل، وبشكل علني سياسة ازدواجية المعايير في تعاملاتها ومواقفها من الكيان الغاصب، من خلال احتضانه، ومدّه بكافة انواع العتاد والذخائر المميتة، وهو ما رأيناه في شحنة الاسلحة الكبيرة التي ارسلتها امريكا الى اسرائيل في الايام الاخيرة.
وما قصة هذا الحوار والتناقض الامريكي في التعامل مع اسرائيل؟
في الواقع ، تواجه الولايات المتحدة، باعتبارها الضامن الأمني لإسرائيل وحليفها الوثيق - "مشكلة مصداقية كبيرة" بسبب الحرب، وارتفاع عدد الشهداء الفلسطينيين المذهل ( تخطى أكثر من 32 ألف شخص)، إضافة الى تعمدّ تل ابيب تجويع سكان غزة، حيث تجتاح المجاعة المناطق المدمرة في القطاع، الامر الذي ادى الى ارتفاع الصرخة العالمية المتزايد إزاء إصرار إسرائيل على إطالة أمد الحرب بذريعة القضاء بشكل كامل على حركة حماس.
من هنا، يقدم الحوار الذي جاء في مذكرة داخلية للتبادل شارك فيها مساعد وزير الخارجية بيل روسو، (وحصل عليها مراسل الإذاعة الوطنية العامة دانييل إسترين) مثالًا آخر على التناقض الكبير في سياسات إدارة بايدن تجاه اسرائيل. فمن جهة، توحي واشنطن برفضها الشديد لتزايد الخسائر الإنسانية في صفوف المدنيين وخصوصا الاطفال بغزة.بالمقابل تعمد من ناحية اخرى، على تأمين الحماية الامريكية لاسرائيل في المنتديات الدولية، فضلا عن مساعدتها الكيان في تجديد آلة الحرب لديه.
وتبعا لذلك، حذرت المذكرة الإسرائيليين، واشارت الى انهم يبدو غافلين عن حقيقة أنهم يواجهون ضررًا كبيرًا، ربما على مدى الأجيال، لسمعتهم ليس فقط في المنطقة ولكن في أماكن أخرى من العالم. كما اعرب كاتبو المذكرة عن قلقهم من أن الإسرائيليين يضيعون الغابة من أجل الأشجار ويرتكبون خطأ استراتيجيا كبيرا في شطب الضرر الذي لحق بسمعتهم".
بالمقابل سخر محاورو روسو الإسرائيليين من اقواله، مشيرين إلى أن الغضب تجاه إسرائيل أكثر انتشارًا عبر الإنترنت وعلى منصات التواصل الاجتماعي مثل TikTok مقارنة بالعالم الحقيقي، وفقًا للمذكرة. وبالتالي يتوافق هذا الرأي مع الرفض الإسرائيلي الحالي للانتقادات الخارجية، بما في ذلك التأكيدات الأخيرة على أنها لا تتعارض مع القانون الدولي من خلال تقييد تدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة.
الجدير بالذكر، ان الامين الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، كان قد قال عند معبر رفح الحدودي بين غزة ومصر، في معرض حديثه عن محنة الفلسطينيين في غزة، الذين نزح الجزء الأكبر منهم من منازلهم ويعانون الآن من الجوع: "الناس في جميع أنحاء العالم غاضبون من الفظائع التي نشهدها جميعا في الوقت الحقيقي". وتابع "إنني أحمل أصوات الغالبية العظمى من العالم: لقد رأينا ما يكفي. لقد سمعنا ما يكفي".
وماذا عن المساعدات العسكرية الاخيرة لاسرائيل؟
في الحقيقة، سمحت إدارة بايدن في الأيام الأخيرة بهدوء بتحويل مليارات الدولارات من القنابل والطائرات المقاتلة إلى إسرائيل، على الرغم من مخاوف واشنطن من هجوم عسكري متوقع في جنوب غزة، يمكن أن يهدد حياة مئات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين.
وعليه، ووفقًا لمسؤولين في البنتاغون ووزارة الخارجية مطلعين على الأمر، فإن حزم الأسلحة الجديدة تشمل التالي: 25 طائرة مقاتلة ومحركات من طراز F-35A تبلغ قيمتها حوالي 2.5 مليار دولار، أكثر من 1800 قنبلة من طراز MK84 زنة 2000 رطل (اي 907 كيلوغرام)، و500 قنبلة من طراز MK82 زنة 500 رطل(226 كليوغرام).
اللافت، مع ان هذه القنابل التي تزن 2000 رطل، كانت أدت إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا خلال الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة، الا ان واشنطن واقفت على منحها لاسرائيل لارتكاب المزيد من المذابح والفظائع بشراكة امريكية كاملة.
ما تجدر معرفته، ان هذا التطور، يظهر أنه على الرغم من الخلافات النظرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل (الشبيهة بذر الرماد بالعيون) بشأن طريقة ادارة تل ابيب للحرب، فإن إدارة بايدن تعتبر عمليات نقل الأسلحة خطًا أحمرا لا يمكن تجاوزه. وتعقيبا على ذلك قال مسؤول في البيت الأبيض: "لقد واصلنا دعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها". وأضاف "تكييف المساعدات لم يكن سياستنا".
الأكثر اهمية، ان القنابل التي يبلغ وزنها 2000 رطل، والقادرة على تسوية مباني المدن بالأرض وترك حفر في الأرض بعرض 40 قدمًا أو أكبر، لم تعد تستخدم أبدًا من قبل الجيوش الغربية في المواقع المكتظة بالسكان بسبب خطر وقوع إصابات بين المدنيين. ومع ذلك وبحسب عدة تقارير، شرّعت امريكا لإسرائيل باستخدامها على نطاق واسع في غزة، خصوصا في قصف مخيم جباليا للاجئين في غزة في 31 أكتوبر/تشرين الأول.
اشارة الى ان قرار بايدن بمواصلة تدفق الأسلحة إلى إسرائيل، حظي بدعم قوي من قبل مجموعات المصالح القوية المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، بما في ذلك لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية "إيباك"، التي تنفق عشرات الملايين من الدولارات في هذه الدورة الانتخابية لإطاحة الديمقراطيين الذين تعتبرهم غير مؤيدين لإسرائيل.
وماذا عن معارضة الديمقراطيين لهذه المساعدات؟
في الواقع، أثار تهميش واشنطن على الساحة العالمية بسبب دعمها لإسرائيل غضب بعض الديمقراطيين في الكونغرس، الذين دعا بعضهم إلى مزيد من الشفافية في عمليات نقل الأسلحة.
وتعبا لذلك، حاولت مجموعة من 17 عضوًا ديمقراطيًا في مجلس الشيوخ تكثيف الضغط على إسرائيل، ودعوا إدارة بايدن إلى رفض المزاعم الإسرائيلية بأنها لا تنتهك القانون الدولي من خلال تقييد المساعدات الإنسانية. والمثير ان تدخلهم، جاء في وقت يتزايد فيه الجدل داخل بعض الدوائر في واشنطن حول تعليق عمليات نقل الأسلحة إلى الحكومة الإسرائيلية.
وتعليقا على ذلك، "قال السيناتور كريس فان هولين (ديمقراطي من ماريلاند) "من الواضح تمامًا أن القيود التي فرضتها حكومة نتنياهو هي المساهم الرئيسي في الأزمة الإنسانية هناك".
وبشكل منفصل، أصدرت منظمتا "حقوق الإنسان أوكسفام" و"هيومن رايتس ووتش تقريرا" مشتركا قبل اسبوعين، يوثق الانتهاكات الإسرائيلية المزعومة في إعاقة تدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة. ودعوا إدارة بايدن إلى الالتزام بالقانون الأمريكي وتعليق عمليات نقل الأسلحة على أساس أن التأكيدات الإسرائيلية بأنها لا تتعارض مع القانون الدولي لا يمكن أن تؤخذ على محمل الجد
.
ولهذه الغاية، قالت سارة ياجر، مديرة مكتب هيومن رايتس ووتش في واشنطن، في بيان: "هناك أسباب وجيهة وراء حظر القانون الأمريكي دعم الأسلحة للحكومات التي تمنع المساعدات المنقذة للحياة، أو تنتهك القانون الدولي بالأسلحة الأمريكية". وأضافت: "نظرًا للأعمال العدائية المستمرة في غزة، فإن تأكيدات الحكومة الإسرائيلية لإدارة بايدن بأنها تفي بالمتطلبات القانونية الأمريكية ليست ذات مصداقية".
في المحصّلة، فإن مشكلة مصداقية إسرائيل امام العالم، هي أيضاً نفسها مشكلة الولايات المتحدة ، بحيث إن إدارة بايدن لا ترى أن أقوالها وأفعالها تتعارض فيما يتعلق بنقل الأسلحة للاحتلال الصهيوني، وهذا بدور يعتبر قمة السقوط الاخلاقي الذي ميزّ سلوك البيت الأبيض في تعامله مع الحرب الدموية بغزة.

alafdal-news
