مهدي عقيل - خاصّ الأفضل نيوز
يحدو الصحافة العبرية الدهشة والريبة بشأن ما يجري في العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة، إذ كيف تسمح "دولة" تعتمد كلياً على السلاح الأميركي لنفسها بالتعامل بهذا الشكل المهين مع القوة العظمى الوحيدة التي لا تزال تدعمها؟ بعكس الصين وروسيا اللتين وقفتا، بشكلٍ أو بآخر، إلى جانب "حماس".
ثمة تناقض واضح لا لبس فيه، إن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن عبّرت عن دعم غير مسبوق لإسرائيل - تزويد بالسلاح بشكل مستمر، ودعم سياسي متواصل - حتى في ظل المعارضة المتصاعدة لهذا الدعم داخل الحزب الديمقراطي، وفي الجامعات والجاليات العربية - الأميركية.
وفي الوقت نفسه، هناك تصعيد في الرد الإسرائيلي على المطالب الأميركية بتقليص حجم الهجوم على رفح والسماح بدخول مساعدات إنسانية. ليس ثمة إصغاء جدي من تل أبيب لواشنطن بهذا الشأن!
وهنا، يقدم دان كيرتسر في "هآرتس"، لحكومة "بلاده"، نصيحة بضرورة الإصغاء للولايات المتحدة، على اعتبار ذلك إحدى أهم أدوات الدبلوماسية، مستشهداً بقول لوزير خارجية أميركا، دين راسك، في إدارات جون كندي وليندون جونسون، "إن الأداة الأهم في الدبلوماسية هي القدرة والاستعداد للإصغاء".
ويدعو أودي أفينتال وعاموس يادلين في مقال مشترك لهما في موقع قناة N12، رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، إلى ما هو أكثر من الإصغاء للولايات المتحدة، يدعوانه إلى الوقوف بجانب الرئيس الأميركي وتخفيف الضغط عنه، وإغراق غزة بالمساعدات الإنسانية، والتنسيق مع الولايات المتحدة ودول المنطقة بشأن دخول المساعدات إلى غزة وتوزيعها داخل القطاع، إذ يعتبر الكاتبان أن ذلك "سيساعد إسرائيل والقوى الإقليمية والدولية على البناء من أجل ملء الفراغ في غزة، من خلال بديل من "حماس"، أو الاحتلال الإسرائيلي، وزيادة الضغط على الحركة". ويستغرب أفينتال وبادلين في ختام مقالهما، تصرفات تل أبيب تجاه واشنطن، ويشيران إلى أنه "عندما تكون (الأولى) تحت ضغط دولي متصاعد وتقف أمام إمكانية أن تُفرض عليها حرب أيضاً في الجبهة الشمالية، فإن المبادرة إلى مواجهة مع الإدارة الأميركية هي تعبير عن عدم مسؤولية كبيرة جداً".
لقد أثبتت الولايات المتحدة أنها الجهة التي يمكن الاعتماد عليها، استراتيجياً، بشكل لا يمكن استبداله بالنسبة إلى إسرائيل. في الواقع الحالي، هي الجهة الوحيدة التي تزود إسرائيل بالتكنولوجيا، والسلاح والمساعدات، وتضمن بقاء مخازن السلاح الإسرائيلية ممتلئة، وتمنع قراراً "له أسنان" في مجلس الأمن لوقف الحرب في غزة.
وبدوره، يرى المحلل العسكري في "هآرتس"، عاموس هرئيل، أنه "من الصعب على نتنياهو التحرك من دون الأميركيين. القضية لا تتعلق فقط بتهديداته باحتلال رفح التي عبّرت الإدارة عن معارضتها لذلك علناً. هناك عقوبات إضافية -مزيد من الخطوات ضد المستوطنين العنيفين والمنظمات التي تعمل على إقامة بؤر استيطانية غير قانونية في الضفة الغربية، وقيود علنية، أو غير علنية، على نقل الأسلحة- أمور كلها ستؤثر أيضاً في سلوك الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وكل تشويش لنقل الأسلحة سينعكس على أي حرب مستقبلية ممكنة في مواجهة حزب الله".
ويضيف الكاتب، "في المدى البعيد، يبدو أن الأزمة مع إدارة بايدن هي الأكثر إثارة للقلق. إسرائيل تتصرف مثل فيلم بيتر سيلرز العائد إلى سنة 1959، عن إمارة أوروبية وهمية قرر قادتها إعلان الحرب على الولايات المتحدة يوماً واحداً. لكن في السيناريو الحالي لا توجد أي سخرية: نحو 70% من الاستيراد الأمني لإسرائيل يصل من الولايات المتحدة، وهذا قبل الحديث عن المساعدات الأمنية التي تصل إلى 3.8 مليار دولار في العام، وسنحصل عليها حتى سنة 2028".
يمكننا أن نلخص أن الخلاف بين واشنطن وتل أبيب ليس بخصوص القضاء على حماس عسكريًّا وسلطويًّا، أنه هدف مشترك، إنما على كيفية تحقيق هذا الإنجاز. لكن المشكلة الكبرى التي تنتظر الطرفين هي الاختلاف الجذري على ما يُعبر عنه بـ"اليوم التالي". لكليهما أجندات مختلفة، الولايات المتحدة تدعو إلى حل الدولتين والتطبيع مع السعودية، وإسرائيل بدورها، ترفض الحل المذكور وتستبدله باحتلال غزة دون وضع خطة واقعية لكيفية إدارة هذا القطاع. ولا تعير كبير اهتمام، على الأقل اليوم، لمسألة التطبيع مع السعودية في الوقت الذي ينصب اهتمامها على إعادة ترميم الكيان بعد عملية "طوفان الأقصى".

alafdal-news



