أماني النّجار - خاصّ الأفضل نيوز
شهدَ لبنانُ خلال الأيام العشرة الأخيرة سلسلةً من حالاتِ الانتحار، والعاملُ المشترك للذين انتحروا هو الديون المتراكمة جرّاءَ الوضع الاقتصاديّ والمعيشيّ السّيئ الذي طال اللّبنانييّن، خصوصًا الفقراء والمهمّشين منهم.
تُشكّلُ ظاهرةُ الانتحار خطرًا اجتماعيّّا كبيرًا في ظلِّ الضغوطات الماليّة والأزمات المعيشيّة التي يعاني منها اللّبنانيون، فالجوعُ والفقر و"التّشليح" وسرقة السيّارات والعنف الأسريُّ والخطف والقتل والبطالة… كلّها عوامل تخلق أزماتٍ نفسيّةً لدى الشّباب، وتلعب دورًا سلبيًّا في دفع الفرد لاتّخاذ قرار الانتحار.
في هذا السّياق، تحدّث الأفضل نيوز مع الدّكتورة ساندي (معالجة نفسيّة واختصاصيّة في علم النّفس) التي قالت: "من الطّبيعي جدًّا أنّ انعكاس الأزمة الاقتصاديّة والاجتماعيّة في لبنان، تؤثّر سلبًا على المُواطنين وأوضاعهم النفسيّة والصّحيّة والاقتصاديّة، لا سيّما بعد أن أدّت إلى ارتفاع نِسَبِ البطالة، وانهيار العملة، وتدّني القيمة الشرائيّة لليرة. ومن المؤكّد أنَّ المنتحرَ يريد أن ينهيَ ألمه وليس حياته، خصوصًا مِن ذوي الدّخل المحدود ومن لا يزالون يتقاضون رواتبَهم وعائداتِهم بالعملة الوطنيّة التي تدنَّى سعرها إلى مستوياتٍ قياسيّةٍ مقابل سِعر صرف الدّولار في السّوق السّوداء”.
يختلفُ الانتحارُ عن أيِّ موت آخر، فالمأساةُ التي يُخلِّفها تفوقُ الألمَ والحزنَ والمفردات التي تدور في فلكهما، ليس على أفراد الأسرة وحسب، بل على المجتمع ككلّ. وبذلك تأتي حالاتُ الانتحار المُفجعة التي تكاد تصبح يوميّةً في لبنان، لتعبّرَ عن يأس النّاس من سُلطة الموت الحاكمة القابضة على أنفاسهم.
يقولُ السّيد محمد شمس الدين (باحثٌ في الدّولية للمعلومات) في حديثٍ له: "إنّ عدد حالات الانتحار في لبنان، قفز بنسبة ١٦٪ في العام ٢٠٢٣ إلى ١٧٠ حالة مقارنة بـ ١٣٨ حالة في ٢٠٢٢، و١٤٥ حالة في ٢٠٢١؛ عازيًا السّبب إلى الأوضاع التي يشهدها لبنان من ضغوطات اقتصاديّة واجتماعيّة ومؤخرًّا أمنيّة".
ولفت شمس الدين: "إلى أنّ النّاس يستغربون ويتساءلون عن سبب ازدياد حالات الانتحار في لبنان خلال عامي ٢٠٢٣ و٢٠٢٤، مقارنة بتراجعها عندما كانت الأزمة الاقتصاديّة في أوجّها بين العامين ٢٠٢٠و ٢٠٢٢، معبّرًا عن اعتقاده أنّ قدرة التّحمل لدى اللّبنانيين، كانت أقوى في بداية الأزمة، فهم كانوا لا يزالون يستعينون بمدخراتهم، أو يبيعون بعض أملاكهم ليعتاشوا، بينما اليوم وبعد مرور ٥ سنوات على اندلاعها، باتت الأزمة أكبر وأخطر مع استمرارها، وبالتالي أصبح المُواطن معرّضًا لليأس أكثر فأكثر، فيبقى الانتحار الوسيلة للهروب من الواقع الحالي".
هذه الظاهرة تتنامى في ظلّ انسداد أيّ أُفقٍ للحلّ السّياسي، إلى جانب الأوضاع الاقتصاديّة الصّعبة، التي يعاني منها أرباب المنزل أيضًا خصوصًا الآباء، أو الأبناء في حال غياب آبائهم من مسؤوليّة تأمين احتياجات العائلة، وهذا ما يدفعهم إلى وضع حدّ لحياتهم في حال شُحِّ مصادر الدخل أو انعدامها.
في هذا الصدّد، سأل موقعنا أحد المصادر الأمنيّة وقال: "إنّ السّلاح المتفلّت وسهولة الحصول عليه، ساهما برفع أرقام الانتحار، خصوصًا وأن المنتحرين يلجأون إلى هذه الطريقة اقتناعًا منهم بأنّها الطريقة الأسهل والأسرع كي لا يتعذّبوا."
وخيرُ مثال على ذلك السّيد عبدو جورج مبارك في العقد السادس من العمر الذي أنهى حياته الأسبوع الماضي، ووجدوه جثة هامدة مصابًا بطلق ناري في رأسه داخل منزله في حوش الأمراء، وإلى جانبه مسدّس حربي، ورجحت مصادر أمنيّة أن يكون القتيل أقدم على الانتحار، والشّاب الثلاثيني (ع.خ) من بلدة طيردبا الجنوبيّة الذي أطلق النار على نفسه الشّهر الماضي في بورة السّيارات قرب النحلاوي.
باتَ اللّجوءُ إلى هذا الخيار شائعًا، وقد سُجّل لتاريخ ٣١ آب من العام الفائت، ١١٣ حالة انتحار في مختلف الأراضي اللّبنانيّة، أو تلك التي تمّ إعلام الجهات الرسميّة والأمنية بها، علمًا أنّ هذا الرقم مرجّح للارتفاع.
أمام هذا التّدهور المعيشيّ المُزري، واليأس الذي يصيب الشّباب اللّبناني، هل تتحمّل مسؤوليته الطّبقةُ الحاكمة التي تَعجز عن انتشال البلاد من أوضاعها الماليّة المترديّة؟.

alafdal-news



