مفيد سرحال - خاص الأفضل نيوز
لا أحد سوى جاحد بغيض أو جاهل مريض يستطيع نكران حقيقة أن الرئيس الراحل حافظ الأسد الثوري العقائدي كان قائدًا قوميًّا استثنائيًّا عرف كيف يمسك مفاتيح الصراع التاريخي الدائر في المنطقة بحنكة وبراعة وحكمة. وبالمستوى عينه كان عقلًا رؤيويًّا استراتيجيًّا مبدعًا" رسم لسوريا دورها المحوري وموقعها المتميز في الإقليم انطلاقعا من المبادئ والثوابت المشدودة لرابطة العروبة ومصالح أمة العرب وحقّها القومي.
من وحي ما تقدّم نجد أن القائد الأسد الذي استشرف المستقبل وأهمية امتلاك العالم الإسلامي إرادة مقاومة الأخطار المحدقة به بسبب غياب التوازن الدولي وانعدام الضوابط على الساحة الدولية وغياب الديمقراطية الدولية، اعتبر الثورة الإسلامية في إيران منذ أيامها الأولى حليفًا للعرب رغم الظروف المعقدة التي اكتنفت العلاقات العربية الإيرانيّة والاضطرابات في السياسات العربية كما رأى فيها مساندًا مخلصًا قويًّا للقضية المركزية للأمّة العربية قولًا وفعلًا، في وقت كانت تحتاج فيه أمّتنا ولا زالت إلى أيّة مساعدة ممكنة لمواجهة العدو الصهيوني الذي تمدّه أميركا بكل احتياجاته وتدعمه بكل الوسائط والوسائل.
فإيران الثورة أطاحت بشرطي المنطقة شاهنشاه وفي اليوم الأول لتولّي زمام الأمور في طهران، طُرد موظّفو السفارة الإسرائيليّة، وقدمت للشعب العربي ومناضليه باسم سفارة فلسطين . ووضعت الثورة الإسلامية في إيران إمكاناتها في تصرف كل مواجهة مع العدو الصهيوني الذي اعتبرته عدوها باعتباره ينتهك الحرمات الإسلامية في فلسطين، ويسعى إلى ابتلاع المنطقة واستلاب خيراتها والتحكم بمصير شعبها وصولًا إلى إلغاء الهوية العربية والإسلاميّة للشرق بالعمل على بثّ الفرقة وخلق الفتن بين الشعوب الإسلامية والحروب بين دولها.
ولا ننسى أنّه بالتّلازم والتّوازي مع تلك الثورة تناسلت معاهدات واتفاقيات السلام من كامب ديفيد إلى وادي عربة وأوسلو....
غير أنّ إيران حدّدت أهدافها واختطت لنفسها مسارًا غيرت معه كل المفاهيم السياسية السائدة وحدّدت السمت الصحيح الذي يلبّي طموحات الشعب الإيراني المسلم الذي يرتبط مع الشعب العربي بأواصر الدين والتاريخ والجوار.
والحال فإن القوى الاستعمارية والصهيونية عملت جاهدة لتخريب علاقات إيران مع الدول العربية وزرعت البغضاء وخلقت مقولة ((الخطر الإيراني المزعوم)) وبذل الغرب الجماعي وعلى رأسه أميركا ما في وسعه لمنع أي تقارب جدّي بين العرب وإيران ودأب على توتير الأجواء بذريعة الدفاع عن العرب ضد ((الخطر الإيراني)) المزعوم لصرف الأنظار عن الخطر الصهيوني الحقيقي الذي يحيق بالعرب والمسلمين ويهدّد وجودهم ومستقبلهم.
غير أن الجو الانفتاحي الإيراني العربي في الآونة الأخيرة بين إيران والخليج العربي أي نقل المنطقة من الاشتباك إلى التشبيك هيأ دون شك التربة الصالحة لزرع بذور التعاون والتفاهم والتنسيق وأزعج الغرب الجماعي الذي تشكل الوحدة الإسلامية أنجع الأسلحة لجبه خططه التدميرية.
في غزة اليوم الوقت من دم والشعب الفلسطيني الجبار رغم جسامة التضحيات أعاد القضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث العالمية كقضية حقوق ومصالح ووضع الكيان الصهيوني عقب طوفان الأقصى على حافة هاوية الزوال بعدما تعرّى جراء توحشه ودمويته أمام الرأي العام العالمي وتحولت غزة ناخبًا أساسيّا في استحقاقات الغرب السياسية.
غزة اليوم الشاهد والشهادة الحية فإذا استثنينا إرادة الصمود والقتال الأسطورية لدى الشعب الفلسطيني فإن مرتكزات هذا الصمود دون مغالاة تعود للدعم والمساندة الإيرانيّة العسكرية والمادية واللوجستية والمدد المقاوماتي من سوريا بشار الأسد في معظم جبهات الإسناد لا سيما جبهة لبنان التي أنهكت العدو الصهيوني واستنزفته حتى بات يستجدي حربًا شاملة ظنًّا منه أنها حمَّالة نصر موهوم ستستدعي المؤازرة الغربية الأميركيّة لتستنقذه من هلاك الاستنزاف البنيوي الذي اعتمدته المقاومة خيارًا تكتيكيًّا إعجازيًّا يراكم استراتيجية النصر بالنقاط.
إيران التي رأى فيها القائد التاريخي حافظ الأسد الصديق والحليف المفترض لا العدو نراها اليوم تتنكب المهام الجسام وتدفع الأثمان حصارًا جائرًا وعقوبات وتتحمل الأعباء الثقال على طريق القدس وتقدم القادة الكبار في سوريا والعراق وكذلك في الداخل الإيراني شهداء أبرار لأجل فلسطين ومقدساتها وحرية شعبها المظلوم.
إن العدوان الأخير على القنصلية الإيرانيّة في دمشق وسقوط قادة من الحرس الثوري الإيراني لا شكّ ستكون تبعاته كبيرة جدًّا على الكيان المترنح لا بل الطائر المذبوح بسكين الطوفان.
إنها مسألة وقت كي يلفظ اللقيط أنفاسه وما التغول والوقاحة في القتل خبط عشواء سواء زمان الجرائم ومكانها أو استهدافاتها إلا علامة من علامات اليوم الأخير لكيان فقد وظيفته ولن يستعيدها حتى لو قتل نصف العرب والمسلمين.

alafdal-news
