طارق ترشيشي - خاص الأفضل نيوز
كان رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية صائبًا وجليًّا في الإسقاطات التاريخية التي أجراها على الواقع الرئاسي اللبناني الحالي في مناسبة الذكرى 46 لمجزرة إهدن التي ذهب ضحيتها والداه وشقيقته ومجموعة من المواطنين الإهدنيين والزغرتاويين، ويتوقع لهذه الإسقاطات أن تتفاعل في الأوساط المسيحية والوطنية عمومًا كما لا بد من أن تكون لها تأثيراتها على مسار الاستحقاق الرئاسي.
عندما اجتمع قادة الموارنة الأربعة في بكركي عام 2014 باحثين في الاستحقاق الرئاسي وسبل ملء الفراغ في سدة رئاسة الجمهورية الذي ساد بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان وتعذّر انتخاب خلف له "طوّب" هؤلاء أنفسهم برعاية البطريرك الماروني بشارة الراعي "مُعبِّرين" عن "الوجدان المسيحي" واتفقوا على أنه إذا وقع الخيار على أيّ منهم لرئاسة الجمهورية يسير الآخرون به بلا نقاش.
هؤلاء القادة الأربعة كانوا بحسب "الترتيب البروتوكولي" في ذلك الزمان: الرئيس السابق أمين الجميل، رئيس الحكومة العسكرية السابقة والقائد السابق للجيش العماد ميشال عون، رئيس حزب "القوات اللبنانية "سمير جعجع، رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية.
وقد وقع الخيار بعد سنتين من ذلك الاجتماع على عون الذي انتخب في 31 تشرين الأول عام 2016 وكان فرنجية يومها أبرز المنافسين له وليس جعجع أو الجميل اللذين لم يخفيا طموحهما الرئاسي، لأن الرئيس سعد الحريري كان قبل شهرين تقريبًا من الانتخاب قد رشح فرنجية بناء على تأييد خليجي عمومًا وسعودي تحديدًا، وفرنسي وأميركي على الأخص.
ولكن أمام إصرار حزب الله حليف فرنجية الاستراتيجي على تمسكه بترشيح عون لالتزام أدبي وأخلاقي قبل السياسي كان قطعه له قبل ترشيح الحريري لرئيس تيار "المردة"، تم انتخاب عون بعد "مونة" الحزب على فرنجية بعدم حضور جلسة الانتخاب حتى لا يُنتخب هو بدل عون لأن كل الظروف كانت مهيئة لانتخابه رغم تراجع الحريري وحلفائه "على مضض" عن ترشيحه لمصلحة عون.
ولذلك فضّل فرنجية البقاء على التحالف الاستراتيجي مع حزب الله و"محور المقاومة" على الرئاسة التي يمكن أن يكون قادرًا على الوصول إليها مستقبلأ وتحديدًا بعد انتهاء ولاية عون.
وقد اعترف كثيرون يومها أن فرنجية لو نزل إلى الجلسة الانتخابية في 31 تشرين أول 2016 لكان انتُخِبَ هو وليس عون لأن الكتل النيابية التي نزلت إلى الجلسة لم تكن تؤيد عون ضمنًا وإنما انقادت إلى انتخابه ملتزمة "كلمة السر" الخارجية التي دفعت الحريري وحلفاءه إلى التخلي عن ترشيح فرنجية لمصلحة عون، حيث أن واشنطن تمكنت يومها من إقناع الرياض برفع "الفيتو" عن عون، وذلك في ضوء نتائج زيارة قام مساعد وزير الخارجية الأميركي توم شانون إلى لبنان مطلع أيلول 2016 باحثًا في سبل تذليل العقبات التي تؤخر انتخاب رئيس الجمهورية وتبين له أن أبرزها كان "الفيتو" السعودي على عون.
انتخب عون والمفاجأة أن جميع خصومه كانوا أول منتخبيه من تيار "المستقبل" إلى "القوات اللبنانية" والحزب التقدمي الاشتراكي، ووحده الرئيس نبيه بري وكتلته لم ينتخباه.
وقيل يومها أن "تسوية رئاسية" حصلت وأنتجت هذا الانتخاب وقامت على معادلة: "ميشال عون رئيسًا للجمهورية بلا منازع مقابل سعد الحريري رئيسًا للحكومة أو للحكومات طوال العهد بلا منازع".
وسارت الأمور "سمنًا وعسلًا" بين الرجلين حتى العام 2019 حيث انهارت هذه التسوية الرئاسية وانهار بعدها لبنان سياسيًّا واقتصاديًّا وماليًّا ومعيشيًّا، وما زال الانهيار مستمرًّا حتى اليوم.
إذ لم يتمكّن الحريري من تأليف حكومة جديدة وكذلك الدكتور مصطفى أديب إلى أن تشكلت حكومة الرئيس حسان دياب واستقالت ولم تتمكن من وقف هذا الانهيار، وها هي حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الحالية التي تكابد ما تكابد في هذه الظروف ولم تتمكن من وقف الانهيار ليتبين بالملموس أن المشروع الذي أعدّ للبنان خلف كل ما يجري يتجاوز كل شيء إلى إسقاط خيار المقاومة ضد إسرائيل فيه وإلحاقه بركب ما كان يسمّى "صفقة القرن" التي يبدو أنها عادت هذه الأيام لتذر بقرنها مع ارتفاع احتمالات عودة مهندسها الرئيس السابق دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في الانتخابات الرئاسية المقررة في 5 تشرين الثاني المقبل.
ولعل أبرز ما في الإسقاطات الرئاسية التي أجراها فرنجية على الواقع الرئاسي الحالي والتي استعاد فيها رئاسات بشارة الخوري وكميل شمعون وفؤاد شهاب وشارل حلو وسليمان فرنجية، إظهاره إن عامل تمتع رئيس الجمهورية بأكثرية مسيحية لم يكن المعيار الدائم في اختياره وذلك عندما لفت فرنجية إلى أن بعض هؤلاء الرؤساء وعلى رأسهم جده لم يكن ذا تأييد مسيحي واسع، وهو ما يبطل حجة "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" في أن رئيس الجمهورية الجديد يجب أن يتمتع بقاعدة تمثيلية مسيحية واسعة، أي على القياس التمثيلي لكل منهما، حيث يعتبر كل منهما نفسه أنه الأكثر تمثيلًا في الساحة المسيحية، ولكنهما يجهلان، بل يعرفان ضمنًا، أن "حسبة" فرنجية الرئاسية ليست مسيحية وإنما هي "حسبة وطنية"، فالرجل لديه حتى الآن تأييد أكثر من 13 نائب مسيحي وهذا رقم لا بأس به ويمكن أن يزيد عند الاقتراب من ربع الساعة الأخير من موعد الانتخاب الرئاسي إلى جانب تأييد غالبية نيابية إسلامية ووطنية، وهو يعتبر أن الرئيس ينبغي أن يحظى بتأييد وطني وليس طائفي فقط ليس لأنه "رئيس الجمهورية اللبنانية" وليس رئيس الجمهورية المارونية التي لا وجود لها في "اتفاق الطائف" ولا في القوانين ولا في الدستور اللبناني ولا قبل ذلك في الجمهورية الأولى جمهورية صيغة 1943.
ففرنجية آت من خلفية وطنية أبًّا عن جد رغم مسيحيته القحة التي لا يمكن أحد أن يزايد عليه فيها، لأنها مسيحية مشرقية عربية وغير طائفية مارسها آل فرنجية وما زالوا منذ قيام دولة لبنان الكبير عام 1920إن لم يكن قبلها.
فعام 1926 أطلقت دولة الانتداب الفرنسي الدستور اللبناني ودعت البرلمان إلى انتخاب رئيس للجمهورية فترشح للرئاسة يومها الشيخ محمد الجسر وإميل إدة وانتهت الانتخابات بفوز الجسر متفوقًا على إدة بصوت واحد كان صوت النائب قبلان فرنجية والد الرئيس الراحل سليمان فرنجيّة جد رئيس تيار "المردة" سليمان طوني فرنجية، فما كان من الفرنسيين إلا أن ألغوا تلك الانتخابات فورًا وعلقوا الدستور معتبرين أنه لا يجوز يومها أن يرأس لبنان رجل مسلم وعالم دين في الوقت الذي كان رئيس سوريا الشيخ جمال الدين.
ولكن العبرة من كل هذا أن آل فرنجية فضلوا الحفاظ على العيش الواحد في خيارهم الرئاسي على الانتصار والتعصب للطائفة عبر التصويت لإميل إدة.
ولذلك فإن فرنجية الحفيد أراد في خطابه في ذكرى سال فيها دم والديه وشقيقته ومواطنين آخرين على يدي مسيحيين أن يفتح صفحة جديدة مع خصومه السياسيين المسيحيين علهم يقتنعون أن التنوع الوطني الذي يختار رئيس الجمهورية الماروني المسيحي هو الذي يحمي المسيحيين ويعزز دورهم في البناء الوطني لأن التعصب والتقوقع من شأنه أن يدمر الوجود المسيحي في لبنان بأشكال مختلفة من الحروب والفتن إلى الهجرة التي تشكل أبرز استنزاف لهذا الوجود.
فالرئيس الراحل سليمان فرنجية فاز في انتخابات 1970 على الرئيس الراحل الياس سركيس بصوت واحد كان صوت النائب كمال جنبلاط والبعض قال أنه كان صوت النائب محمد دعاس زعيتر والد النائب الحالي غازي زعيتر ما يعني أن المكون الإسلامي والوطني يعرف عراقة آل فرنجية ويقدر عملهم السياسي التاريخي والوطني وتعاطيهم الشأن العام بلا طائفية منذ ما قبل الاستقلال بما يحافظ على لبنان بكل مكوناته والذي يشكل نموذجًا إنسانيًّا وحضاريًّا يحتذى به.
على أن فرنجية تحلى في خطابه بواقعية كبيرة وجارى خصومه في طروحاتهم فـ"نبش" المعادلة التي وضعها الرئيس ميشال عون والقائلة بأن رئيس الجمهورية يجب أن يتمتع بتأييد الأكثريّة المسيحية، وبناء عليه وبحسبة عددية أكد فرنجية أن رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع هو من يملك الأكثريّة المسيحية حاليًّا وفي هذه الحال يجب أن يكون هو رئيس الجمهورية فكتلته النيابية المسيحية تضم أكثر من 20 نائبًا فيما كتلة التيار الوطني الحر المسيحية الصرفة هي أقل من 20 نائبًا ولكنه "يمطها" أحيانًا ويضم إليها نوّابًا مسلمين ينتمون إلى أو تمّ تنسيبهم إلى تكتل "لبنان القوي".
وقد ردّ باسيل على فرنجية قائلًا أنه "يخطئ في العد" أو "ما بيعرف يعد".
ولكن هذا الردّ جاء سياسيًّا وليس ردًّا عمليًّا لأن القاصي والداني يعرفان أن العدد الفعلي للنواب المسيحيين هم 17 نائبًا.
وعندما خاطب فرنجية في ختام خطابه اللبنانيين والمسيحيين قائلًا بهم أن التسوية آتية وباتت قريبة "إنما نصح بهذا الكلام خصومه بطريقة غير مباشرة بمراجعة مواقفهم والاستعداد للالتحاق بالركب الذي سيأتي به إلى رئاسة الجمهورية عاجلًا أم آجلًا إن لم يكن في هذا الصيف ففي الخريف المقبل حتمًا.
فالرجل ما كان ليدلي بمقولته الواضحة هذه التي وضع فيها صدقيته على المحك لو لم تكن لديه المعطيات المتينة في هذا الإطار"، على حدّ قول القريبين منه.

alafdal-news
