د.علي ناصر ناصر - خاصّ الأفضل نيوز
الأسباب والسياق والتداعيات
اجتاحت قوات عسكرية أوكرانية لا يتخطى عددها 10000 مقاتل الحدود الروسية واحتلت مساحة تقارب 1000 كلم مربع. بدأ الهجوم في 6 آب/أغسطس الجاري وأعلن عن العملية بعد أربعة أيام من بدايتها من الجانب الأوكراني وليس الروسي.
يعتبر هذا الانتهاك للحدود الروسية الأول منذ الحرب العالمية الثانية أي منذ الاجتياح الألماني للاتحاد السوفياتي وشكلت ضربة معنوية للروح القومية- الروسية وأعادت طرح الأسئلة الإشكالية حول واقع روسيا كقوة دولية في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموماً.
سيعالج هذا المقال وضع القوات الروسية وسهولة التقدم الأوكراني، والموقف الأمريكي من روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وارتباط ذلك بالجبهة الأوكرانية، وردت الفعل الروسية على السياسة الغربية وسياسة حلف شمال الأطلسي "الناتو" اتجاهها.
كيف بدأت العملية الأوكرانية ؟
لم تختلف طبيعة العملية الأوكرانية عن تلك التي حصلت في "خاركيف" في أيلول/سبتمبر 2022، وأيضاً عن عملية "خيرسون" التي انطلقت في نهاية عام 2022، فهي عملية سريعة وخاطفة، استخدمت فيها أحدث التقنيات الإلكترونية الغربية لتحييد المسيرات الروسية والتشويش على الأجهزة الروسية في عملية مجهزة بدقة ومخطط لها بشكل متقن منذ فترة بحيث أن الجيش الروسي كان في حالة من التشتت والضياع ولم يدرك ماذا حصل في الساعات الأولى للعملية. والأمر الحاسم في هذه العملية هو دور الأسلحة الغربية في سرعة حسمها وخرقها للدفاعات الروسية.
لم تتعاط روسيا بجدية مع الواقع الأوكراني وتفترض أن الغرب و"الناتو" لن يقدما على تقويض الأمن الروسي وخرق الخطوط الحمراء كما تسميها موسكو حيث تعتقد "أن هناك ثوابت جيوبولوتيكية لا يمكن للقوى الغربية أن تتخطاها" مفترضين أن روسيا قوة عظمى ستعود وتنهض مهما تعرضت له من عواصف ووهن حسب الجيوبولتوكيين الغربيين، بينما الحقيقة تفترض عكس ذلك والغرب يعمل فعلياً على تفكيك الدولة الروسية.
استخدم الأوكرانيون أسلحة غربية قدمها لهم حلف "الناتو"، والغريب الثقة الروسية بعدم السماح لأوكرانيا باستخدام تلك الأسلحة في هذه الحرب لم تكن مفهومة. والحقيقة أن قادة الكرملين يدركون ذلك بعد حصوله حيث صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد اجتياح مقاطعة كورسك أن "الغرب يقاتلنا بأيدي الأوكرانيين".
زيادة على ذلك تعتمد السياسة الأمريكية على السماح التدريجي لأوكرانيا في استخدام الأسلحة الأمريكية والغربية وتتجه نحو السماح لاستخدامها بشكل كامل في المعركة مع روسيا، والغريب في الأمر هو الافتراض الروسي على أن "الناتو" سيسمح لها بتحقيق نصر كامل وواضح في شرق أوكرانيا يعيدها إلى الزعامة الدولية مما أدخلها في حسابات خاطئة تستنزفها بشكل مستمر ودائم.
الموقف الأمريكي من روسيا بعد انتهاء الحرب الباردة
تنظر الولايات المتحدة إلى روسيا بصفتها دولة "إمبريالية" ورثت الاتحاد السوفياتي وتعمل على إحيائه من جديد وفق المفهوم "الأوراسي" الذي هو بديل عن الشيوعية ولكن يحمل نفس المضامين السياسية "والاستعمارية". ولم يعمل الساسة الروس، وفق الرؤية الأمريكية، عن التخلي عن الفكرة السوفياتية وهم أنفسهم وبصفتهم الشخصية من كان يقود الاتحاد السوفياتي واحتفاظهم بمعالم المرحلة السابقة يؤكد أن روسيا الحالية هي امتداد سياسي للاتحاد السوفياتي السابق ولم يفعل القادة الحاليون في روسيا على قطع الصلات مع الماضي السوفياتي كما فعلت بولندا مثلاً.
إضافة إلى ذلك رفضت الولايات المتحدة الأمريكية "المشاركة الدولية" مع روسيا في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي بسبب عدم التماثل الحضاري والثقافي بين الدولتين ولاعتبارات تتعلق بالتقدم العلمي والتكنولوجي الذي لا يخول روسيا أن تقارن مع الولايات المتحدة.
في الحقيقة تعاطت الولايات المتحدة مع روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي كونها دولة خسرت الحرب الباردة وتقلصت حدودها جيوبولتيكياً بحيث كانت تمتد إلى العمق الأوروبي والآسيوي وأصبحت الآن حبيسة جغرافيا بعد استقلال جميع الدول في حدودها الغربية والجنوبية والأخطر أن هذه الحدود أصبحت غير آمنة بالنسبة لها.
لم تكن لدولة مثل الولايات المتحدة أن تقف مكتوفة الأيدي أمام التراجع الروسي فالسياسة الأمريكية في "أوراسيا" تقوم على إضعاف القوي أو منع صعوده من ناحية، وجعل الدول الحليفة أكثر تابعية لها، لذلك كان من الطبيعي ملاحقة روسيا والانقضاض عليها عبر تلك الحدود، عبر أوكرانيا وجورجيا وأعدت العدة لذلك بشكل جيد وهذا ما حصل في كورسك.
روسيا والسياسة الغربية
انقسمت الآراء داخل روسيا حول كيفية التعامل مع الغرب والقيم السياسية التي يحملها حيث كان هناك فريق يعمل على تشكيل أطر دولية أوراسية هدفها مواجهة الولايات المتحدة، وفريق آخر يدعو إلى الشراكة مع الولايات المتحدة على الصعيد الدولي.
تطرح مواجهة الغرب إمكانيات هائلة وتحالفات وإدارة النزاعات والخوض المباشر في الصراع الدولي على المستوى الأوراسي والدولي أي العودة إلى الحقبة السوفياتية مع عامل واضح هو انكفاء روسيا وتقليص نفوذها بفعل انهيار الاتحاد السوفياتي الذي خرج من الحرب الباردة خاسراً ومفككاً وبالتالي فإن هذا الخيار لا يحمل إمكانيات على العمل به.
والخيار الثاني هو المشاركة مع الولايات المتحدة فهو مرفوض أمريكياً لأسباب موضوعية وذاتية ولا يتماشى مع "الواقعية الدولية". وبفعل عدم إمكانية تطبيق العاملين السابقين معاً اتجهت السياسية الروسية إلى بناء علاقات اقتصادية وسياسية متينة مع الدولة القريبة التي كانت تشكل الاتحاد السوفياتي ولكن كان حلف "الناتو" بالمرصاد وراح يعمل على استقطاب تلك الدول من أجل عزل وحصار روسيا ولم يسمح لها من التقاط أنفاسها وأخذ يتوسع ويقترب أكثر من حدودها.
لقد اتجهت الأمور إلى خيار المواجهة مع الغرب والولايات المتحدة بحكم سياسة "الناتو" حيث وجدت روسيا نفسها من دون "مجال حيوي"يطمئنها، دفع ذلك إلى تقوية الفريق الذي يرغب بسياسة المواجهة مع الغرب في "الكرملين"، مع بقاء الفريق الذي يدعو إلى التسوية مع "أوروبا الأطلسية" مؤثراً في صناعة القرار الروسي، وهذه هي السياسية الروسية الحالية التي تتأرجح بين الخشية أن تترك خارج أوروبا وتنبذ سياسياً وحضارياً، وبين القناعة أن السياسة الغربية تعمل على عزل روسيا وتفكيكها وضرب مناعتها.
والحقيقة انعكس كل ذلك على الميدان فينصتون للوعود الغربية من ناحية، ويهاجمونها بقسوة من ناحية ثانية عندما يخل الغرب نفسه بها.
استنتاج
يعمل"الناتو" عبر أوكرانيا وجورجيا إلى تقويض الأمن الروسي وهذا استراتيجياً مستمر منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. والأجدى هو تحويل القدرات الروسية الكاملة والمجتمع الروسي إلى مجتمع حرب ونقل الصراع إلى ساحات أخرى يمكن لروسيا أن تحقق فيها إنجازات كبرى في وجه السياسة الغربية. يفترض الروس أن أوكرانيا ضعيفة ومنقسمة وستنهار في غضون ساعات وهذا ما أثبتته الوقائع التكتيكية بأنه افتراض أضر بالجيش الروسي.
المشكلة الروسية أنها لم تخطط لهذه الحرب على أساس أنها ستطول ثم فرض عليها وضع خطط لحرب قد تستمر سنوات.
بدأت هذه الحرب وروسيا في موقع الهجوم وبعد مرور ما يزيد عن السنتين بدأ الأوكران بالهجوم والسؤال هل يشكل الهجوم الأوكراني نقطة تحول في الحرب على الرغم أن منطقة كورسك لا تشكل منطقة حاسمة عسكرياً وحجم القوة الأوكرانية لا يعطي مؤشراً على إمكانية البقاء والاستمرار. تثبت العملية النقص الاستخباري للجيش الروسي سواء في بداية الحرب الأوكرانية حتى العملية الأخيرة. يعمل "الناتو" إلى التدخل التدريجي في الحرب ويملك تصوراً تفصيلياً لتطور مجريات الحرب وعشرات الآلاف من خبرائه ينتشرون على الأراضي الأوكرانية. لمجرد حصول الهجوم هو ضربة في العمق القومي والروحي لروسيا وهي ستتكرر وسيعتاد الشعب الروسي عليها ما لم تعمل القيادة الروسية على خلق عملية ردع حقيقي وفعلي. المأزق العسكري هو مأزق سياسي استراتيجي بداية والسؤال أي روسيا يريد الكرملين بالمعنى السياسي والفكر؟

alafdal-news
