طارق ترشيشي - خاصّ الأفضل نيوز
أن تكون نسبة 38 في المئة من اللبنانيين ترغب في الهجرة، فذلك مؤشر خطير بالنسبة الى مسقبل لبنان الذي يمر في أزمة كبرى تتفاقم يوميًا على كل المستويات ويزيد من تفاقمها الأوضاع السائدة على الجبهة الجنوبية والحرب الإسرائيلية المتواصلة على غزة، ومجمل الأوضاع المأزومة السائدة في المنطقة عموماً.
ويعود ارتفاع نسبة الراغبين بالهجرة التي تأخذ في هذه الظروف طابع الهجرة الدائمة لا المؤقتة، الى انعدام الثقة في إمكان خروج لبنان من أزماته السياسية والأمنية والاقتصادية قريبا، فهذه الأزمات تتناسل وتتزايد بدلا من أن تضمر وتزول، بدليل الفراغ المتمادي والمتناسل الذي تعيشه البلاد وحول كل المؤسسات العاملة فيها مؤسسات تصريف أعمال بدلا من أن تكون صاحبة قرار. وما يزيد في الطين بلة في هذا السياق أن الدول التي كانت تعودت مد لبنان بالمساعدات وبالاستثمارات تحجم عن ذلك أما لسياسات مستجدة لها أو لموقف سياسي معين، الأمر الذي يفترض أن يدفع اللبنانيين الى الاعتماد على أنفسهم وعدم انتظار الغير من عرب وأجانب لم يعد لبنان يعني لهم في شيء.
ويكشف استطلاع أجرته شبكة "الباروميتر العربي" البحثية في الآونة الأخيرة توجهات الرأي العام حول موضوع الهجرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو موضوع تتعقب الشبكة مواقف الناس وآرائهم فيه منذ العام 2006، وقد تبين لها أن الهجرة مستمرة قضية مهمة لكثيرين لأن كثيرين من المواطنين يسعون وراء فرص أفضل للعيش في الخارج.
ويرصد الاستطلاع تباينات كبيرة في رغبات الهجرة بين دول المنطقة خلال السنة الجارية. فيكشف بالأرقام أن تونس تحتل المرتبة العليا في نسبة الراغبين حيث أن 46% من سكانها يرغبون في الهجرة، ويأتي بعدها الأردن بنسبة 42%، ثم لبنان بنسبة 38%. أما في المغرب، فقد أعرب 35% عن الرغبة في الهجرة، مقارنة بـ 25% في فلسطين و22% في موريتانيا. لكن في الكويت لم تتجاوز النسبة الـ16 % كونها تتمتع بالاستقرار الاقتصادي.
وفي مجال التأثيرات الديموغرافية في الهجرة دل الاستطلاع الى أن الشبان والمتعلمين جامعياً هم الأكثر إقبالاً على الهجرة، ويدفعهم إليها البحث عن فرص عمل ومعيشة أفضل في الخارج.
ويشكل السخط الاقتصادي المحرك القوي للرغبة في الهجرة، إذ يرى غالبية الراغبين أن الوضع الاقتصادي لبلدانهم سلبي بمقدار كبير مقارنة بمن لا يرغبون في الهجرة. كما أن العوامل الاقتصادية تحرك الرغبة في الهجرة بمقدار كبير في الأردن (90%) وتونس (89%)، ثم هناك غالبية كبيرة في لبنان (72%) وموريتانيا (69%). وفي فلسطين ذكر 57% من الراغبين في الهجرة أسباباً اقتصادية، وكانت النسب أقل في موريتانيا (45%) والكويت (29%).
ويظهر الاستطلاع أيضا أن الأمن والعوامل السياسية تلعب دوراً ملحوظاً في الحض على الهجرة، خصوصًا في لبنان، حيث أن الشواغل الأمنية فيه والتي زادت منها التوترات الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل تدفع 27% من المهاجرين المحتملين في لبنان إلى هذا القرار. بينما كان للقضايا السياسية (23%) والفساد (24%) تأثيراً قوياً على قرار هجرة اللبنانيات واللبنانيين. فيما تبين أن الشواغل السياسية والفساد هي أقل انتشاراً في دول المنطقة الأخرى التي شملها الاستطلاع، حيث لم يذكر أي منها كأسباب للهجرة أكثر من شخص واحد من كل ستة أشخاص.
أما في يتعلق بارتباط الهجرة بالفرص التعليمية فقد بيّن الاستطلاع أن السعي وراء فرص تعليم أفضل هو المحرك الرئيسي للرغبة في الهجرة في الكويت، حيث أن 56% من الراغبين في الهجرة قد ذكروا التعليم كسبب أساسي. ويتناقض هذا مع الدول الأخرى التي شملها الاستطلاع، حيث يدفع التعليم الرغبة في الهجرة عند نسب لا تتجاوز خُمس المهاجرين المحتملين.
ويشير الاستطلاع الى أن الدول المرغوبة للهجرة إليها هي أميركا الشمالية ولا سيما منها الولايات المتحدة الأميركية وكندا اللتين تشكلان المقصد الأكثر شعبية عند الراغبين بالهجرة من المنطقة، وتليهما دول أوروبا الغربية والخليج العربي. ويعتمد التفضيل على الصلات اللغوية والثقافية، حيث الناس في الدول المرتبطة تاريخياً بقوى استعمارية يرغبون في الهجرة إليها، وفيها جاليات كبيرة.
أما في موضوع الهجرة بلا أوراق رسمية فإن الاستطلاع أظهر أن غالبية الراغبين يفضلون استصدار الأوراق الرسمية اللازمة، وهناك عدد كبير في المنطقة ممن لا يمانعون الهجرة بلا هذه الأوراق ففي المغرب يفكر في هذا الخيار 53% من المهاجرين المحتملين، بينما تبلغ النسبة في موريتانيا 44%، ثم 42% في تونس، و30% في فلسطين. وهناك مواطنون أقل ممن يفكرون في الهجرة في الأردن (19%) ولبنان (17%) مقبلون على هذا الرأي.
ويشير الاستطلاع في هذا السياق الى أن الأقل تعليماً ودخلاً هم الفئة الأكثر إقبالاً على التفكير في الهجرة من دون توافر الأوراق اللازمة لذلك. ويُلاحظ أن موريتانيا قد شهدت زيادة كبيرة في الاستعداد للهجرة – من بين الراغبين فيها – في غياب الأوراق اللازمة، إذ تضاعفت النسبة من 22% في 2022 إلى 44% في 2024. هذه الزيادة في أوساط الشباب خصيصاً (51% مقابل 41% بالنسبة للأكبر سناً) تسلط الضوء على تنامي النزاعات الداخلية وصعوبات الحصول على الأوراق الرسمية اللازمة للهجرة.
ويذكر أن "الباروميتر العربي" هو الشبكة البحثية الرائدة والأعلى تأثيراً لقياس الرأي العام في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد تأسست الشبكة عام 2006، وأصبحت أطول الشبكات البحثية خبرة واستمرارية في إجراء استطلاعات رأي عام مدققة وممثلة لمستوى الدول عبر العالم العربي.

alafdal-news
