نبيه البرجي- خاصّ الأفضل نيوز
هل يتصور دونالد ترامب , باستراتيجية الضوضاء , والبعض يصفها باستراتيجية الغوغاء , إقامة السلام ـ السلام التوراتي ـ في الشرق الأوسط فوق قبور الفلسطينيين , وهو الذي تحدث مستشاره السابق ستيف بانون عن ضحالته الثقافية , ودون أن تكون له أي صلة لا بـ"عبقرية المكان" , ولا بـ"أنثروبولوجيا الأمم".
بطبيعة الحال لم يطّلع على وصف هيرودوت للمنطقة بأنها تقع على خط الزلازل .
بعين قاصرة كان يتابع الأحداث في غزة . ما كان يعنيه حث الجنود الإسرائيليين على إزالة "حركة "حماس" التي (ويا للغرابة) في نظره "إذا ما بقيت هناك فقد نراها في شوارع نيويورك" . كيف ؟ هل يمكن لرئيس أكبر إمبراطورية في التاريخ أن يفكر مثل أولاد الأزقة ؟
من الطبيعي أن يكون ضد المنحى الايديولوجي للحركة , وهو الذي ينتمي إلى مدرسة تحذّر , دوماً , من الغزو الإسلامي للغرب لتقويض بناه السياسية , والثقافية , والتاريخية . ولكن ألا تساعد ثورة الاتصالات التي أحدثت انقلاباُ في "الوعي" البشري , وإلى حد رؤية ما وراء الأشياء , وما وراء الأحداث , في إضاءة المشهد؟
ترامب نفسه دعا إلى وقف الدعم للجامعات التي تشهد تظاهرات مؤيدة للفلسطينيين ككائنات بشرية تسعى ليكون لها موطئ قدم في هذا العالم . لم يتلفظ يومًا بعبارة "الدولة الفلسطينية" , بل هاله أن تكون مساحة إسرائيل على ما هي عليه , ملمحاً إلى تبنيه تعديل هذه المساحة , بالطبع من خلال ترحيل فلسطينيي الضفة والقطاع .
الحل لديه فتح كل الأبواب مع إسرائيل , على أن تحل مشكلة الفلسطسينيين بدمجهم بالمحيط , وحيث التناغم اللغوي , والقومي , والديني .
السؤال البديهي ما إذا كانت الظروف الراهنة أفضل من ظروف الولاية السابقة , وقد ضغط خلالها لتسويق "صفقة القرن" التي ما لبثت أن أخذت تسمية أخرى تزيل الشوائب التاريخية , أو تحد منها , أي "ميثاق إبراهيم" , وهي التسمية الأكثر تأثيراً في إيجاد حالة من الوعي بالقرابة اللاهوتية وحتى البيولوجية .
لا مجال لاعتبار كلام جو بايدن حول حل الدولتين يتسم بالحد الأدنى من الصدقية , أو من الواقعية . وزير الخارجية الفرنسية السابق أوبير فيدرين رأى أن واشنطن تستوحي "فلسفة السوق" في صياغة طروحاتها الديبلوماسية , وحيث معادلة البيع والشراء , دون أي اعتبار للمقتضيات الأخلاقية التي دعا الديبلوماسي الشهير افريل هاريمان إلى الأخذ بها "كي لا نتهم أننا كأميركيين نحاول أن نضفي معنى آخر إلى التاريخ , "ديبلوماسية القطط" , وهي "تحاول إغراء الفئران بالاقتراب منها" .
باحثون أميركيون هم من لاحظوا أن الفلسطينيين "يقاتلون من قبورهم" . ما شهدناه في الجولة الأولى من عملية تسويق "صفقة القرن" الغياب الكامل لكل ما يتعلق بالشأن الفلسطييني , كما لو أن ما يحدث في الضفة الغربية أيضاً , وحيث سياسة التنكيل , والقتل , والاغتصاب , التي تنفذ على الأرض بصورة يومية , لا يؤثر في الضمير العالمي ، حتى لو جرت محاولات لحجب القضية الفلسطينية ـ أو لدفنها ـ ثمة مؤشرات لتغيير ما في اللهجة الأوروبية , وحتى في اللهجة الأميركية , عبر المعلقين والأكاديميين والمفكرين , وحيث التحذير من التصدي للقنبلة التي في وسط الحلبة , والذي لا يتم بالوسائل التي نحول دون انفجارها , وإنما بإخفاء الرؤوس , ولو داخل غرف زجاجية .
ريتشارد هاس , مسؤول الشرق الأوسط السابق في مجلس الأمن القومي ورئيس مجلس العلاقات الخارجية , قال إن أزمة الشرق الأوسط "لا تعالج بتلك الكمية من السذاجة , أو من الغباء’" , وهو الذي يعتقد أن أي سلام لا يمكن أن يكون حقيقياً إلا من خلال حل المشكلة الفلسطينية كنواة صلبة , أو كنواة تاريخية , لأي مبادرة تؤدي إلى "وقف عمل الشيطان في الشرق الأوسط" .
وإذا كانت تصريحات منسق حملة دونالد ترامب مسعد بولس تشي بشيء من التفاؤل حول إقفال أبواب الجحيم في لبنان , ثمة من يبدي تخوفه من أن يطلق الرئيس المنتخب يد بنيامين نتنياهو في الوصول بالضغط العسكري إلى حدوده القصوى , حتى إذا ما حل يوم 20 كانون الثاني كانت الخشبة جاهزة لفرض تسوية تكون , بالضرورة , لمصلحة اسرائيل .
هكذا نرى المعلق العسكري عاموس هرئيل , يوحي في مقاله في صحيفة "هاآرتس" بأن التناغم بين ترامب ونتنياهو هو تناغم استراتيجي . لكن الشيخ نعيم قاسم , وفي كلمة أخيرة له , أكد على لغة الميدان , حتى لو رأينا كيف تم تفجير بلدة ميس الجبل , لكأننا أمام أكثر من هيروشيما على الأرض اللبنانية , وفي وضع دولي , وإقليمي , مصاب بالسكتة الدماغية ...

alafdal-news
