د. علي دربج - خاصّ الأفضل نيوز
واهمٌ، من يعتقد أن الدور التركي الكبير في الانقلاب الاستراتيجي الذي حصل في سوريا غداة الإطاحة بنظام الرئيس الفارّ بشار الأسد، وتمكّنها من أن تصبح صاحبة الكلمة الفصل في هذا البلد ــــ نتيجة أوراق القوة التي تمتلكها وفي مقدمتها حليفتها "هيئة تحرير الشام" ربيبة أنقرة ــــ هدفه فقط مساعدة السوريين على التخلص من حاكم مستبد (كرمى لسواد عيونهم)، أو الظهور بصورة البطل الإسلامي الذي استطاع تحرير "سوريا"، وإن كانت هذه الأمور ضمن أجندته.
لكن مهلاً، فطموح الرئيس رجب طيب أردوغان، عدا عن أنه لا يقتصر أيضًا على إحياء الأطماع التاريخية لتركيا لاستعادة بعضٍ من نفوذ الإمبراطورية العثمانية المتهالكة، هناك مشاريع كبرى اقتصادية عملاقة تقف وراء اندفاعاته واستثماراته العسكرية الرابحة في سوريا.
اما هذه المشاريع، فتتمثل بالسيطرة (الناعمة) على ثروات دمشق النفطية والغازية، إضافة إلى فرض نفسه طرفًا لا غنى عنه في لعبة الطاقة الكبرى، بمعزل عن مصالح الأطراف التي تتشارك مع دمشق بالحدود البحرية، مثل اليونان وقبرص. مما يؤسس لأزمات وصراعات مستقبلية بين دول المنطقة المعنية بتلك المشاريع، بما فيها الكيان الغاصب، وصولًا إلى أوروبا.
الأطماع التركية بثروات الطاقة السورية
منذ الساعات الأولى من 8 ديسمبر الحالي، عندما غادر الأسد دمشق، كان هناك لعبة جيوسياسية تحدث في المنطقة. فالنفوذ المتزايد لتركيا في سوريا أثار، في الواقع، قلق كل من نيقوسيا وأثينا العضوين في الاتحاد الأوروبي، خصوصًا وأن أنقرة ترغب (بحسب التقارير) في ترسيم مناطق بحرية مع الحكام الجدد في دمشق.
الأكثر أهمية، أن أوروبا ستتأثر بدورها بهذا التحول بشكل مباشر في وقت تبحث فيه عن بدائل للغاز الروسي. إذ من شأن ترسيم المناطق البحرية، أن يفتح مشاريع طاقة حاسمة، في ظل المنافسة الشرسة القائمة حاليًا بين اللاعبين الإقليميين، بينما يبقى موقف أوروبا هشًا.
من هنا، وبعد أيام قليلة من سقوط الأسد، أرسلت تركيا إلى دمشق وفدًا قياديًا رفيع المستوى ـ أبرزهم: وزير الخارجية هاكان فيدان، ورئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم كالين ـ لبدء مناقشات حول مسائل متنوعة. فكانوا بذلك أول من تصدّر المشهد السوري، جنبًا إلى جنب مع قطر.
وبحلول 24 ديسمبر، كشفت وسائل الإعلام التركية والعالمية، أن أنقرة تجري محادثات متقدمة مع سوريا لتوقيع اتفاق لترسيم المناطق البحرية في البحر الأبيض المتوسط. وتعقيبًا على ذلك، قال وزير النقل التركي عبد القادر أورال أوغلو: "سنبرم اتفاقية الولاية البحرية مع الإدارة السورية"، مضيفًا: "نحن نعمل على خطة طوارئ تشمل خدمات الطيران والسكك الحديدية والبرية والاتصالات في سوريا".
موقف اليونان وقبرص من الخطوات التركية
شكلت التطورات في سوريا وطموحات تركيا في المنطقة مفاجأة لأثينا، خصوصًا أن العلاقات اليونانية ـ التركية كانت قد اتسمت بالهدوء لبعض الوقت.
وتبعًا لذلك، أثارت الأخبار (عن الحراك التركي المتعلق بترسيم البحري بسوريا) ردود فعل سلبية في أثينا، بعد أن تجاهل اتفاق مماثل، كان عقد بين تركيا وليبيا في ديسمبر/ أيلول 2019، وجود جزيرة كريت. لذا، أشارت اليونان إلى إن تركيا تريد إرساء سابقة قانونية بمذكرة تفاهم "غير قانونية" بموجب القانون الدولي.
لهذه الغاية، أوضحت مصادر دبلوماسية يونانية هذا الأسبوع، أن حدود اليونان تقع في المنطقة الأوروبية، وشددت على أن القضية قد أثيرت بالفعل مع الاتحاد الأوروبي في بيان مشترك مع النمسا وقبرص. كما أشارت هذه المصادر، إلى أن سوريا تواجه "وضعًا انتقاليًا" لا "يضفي الشرعية على أحد للتوصل إلى مثل هذا الاتفاق".
ليس هذا فسحب، إذ تواجه الحكومة اليونانية أيضًا ضغوطًا من أحزاب المعارضة، التي دعت "حزب الديمقراطية الجديدة" الحاكم الذي يمثل يمين الوسط، بأن يطلب من الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على أنقرة.
ولهذا، قال حزب "الحل الهيليني" اليميني المتشدد - الذي تشهد شعبيته تقدمًا في استطلاعات الرأي على حساب حزب الديمقراطية الجديدة - إنه حذر من أن "الإرهابيين الإسلاميين الذين احتلوا سوريا يخضعون بالكامل لسيطرة تركيا، وأن على اليونان أن تقاتل عدم الاعتراف بهم بأي شكل من الأشكال".
وعلى خط موازٍ، يتملك الخوف نيقوسيا من أن تتأثر حقوقها السيادية في البحر المتوسط. فغني عن التعريف أن القوات التركية كانت قد احتلت شمال قبرص في أعقاب الانقلاب الفاشل الذي دعمته أثينا في السبعينيات من القرن الماضي. ولغاية الآن، ترفض أنقرة التخلي عن سيطرتها لهذا القسم من الجزيرة، مما يجعلها الدولة الوحيدة المنقسمة في الاتحاد الأوروبي.
وتعليقًا على ذلك، أكد المتحدث باسم الحكومة القبرصية، كونستانتينوس ليتيمبيوتيس، في بيان، إن "أي نية لإبرام اتفاق بين تركيا وسوريا، باعتبارهما دولتين متجاورتين، يجب أن تستند إلى القانون الدولي، وتحديدًا القانون الدولي العرفي للبحار كما هو منصوص عليه في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وتأخذ في الاعتبار حقوق جمهورية قبرص في المنطقة".
الجدير بالذكر أن تركيا لم تصدق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وتصر على أنها غير ملتزمة بأحكامها التي تمنح الجزر مناطق بحرية.
وبناء على ذلك، يعد مستقبل الصفقات البحرية بين كل من تركيا وسوريا، وتركيا وليبيا أمرًا حاسمًا بالنسبة للمنطقة، حيث لم توقع اليونان وتركيا على اتفاق مماثل وسط خلافات قوية بين الجارتين.
وماذا عن الموقف الأوروبي؟
صحيح أن الاتحاد الأوروبي كان قد وصف الصفقة المتوقعة (بين سوريا وتركيا) بأنها "غير قانونية" لأنها "تنتهك الحقوق السيادية لدول ثالثة"، لكنه عمليًا تبنَّى نهج الانتظار والترقب تجاه ما حصل في سوريا، فيما كان لافتًا أنه لم يتخذ موقفًا بشأن النفوذ التركي المتزايد في دمشق.
ومع ذلك، زارت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين أنقرة في 17 ديسمبر/كانون الأول، معتبرة أن الهجرة على رأس جدول أعمال الاتحاد الأوروبي. المثير أنها اعترفت بمساعدة تركيا في استضافة اللاجئين السوريين، ووعدت بمنح أنقرة مليار يورو إضافية.
أما بالنسبة لموقف واشنطن، فلم يكشف الرئيس الأمريكي القادم دونالد ترامب عن أوراقه، لكنه اعترف علنًا بدور تركيا في الإطاحة بالأسد.
أنابيب الطاقة واللعبة الجيوسياسية ودخول إسرائيل على الخط
في الواقع، يرتبط ترسيم المناطق البحرية ارتباطًا وثيقًا بأجندة الطاقة في المنطقة. إذ إن المصالح المعقدة بين اللاعبين في المنطقة (أي اليونان، قبرص، تركيا، إسرائيل، مصر) تجعل المعادلة صعبة الحل.
وعليه، ومع تبدل الحكم في سوريا، عادت إلى الظهور من جديد خطط قديمة وطموحة لبناء خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي القطري إلى أوروبا، عبر المملكة العربية السعودية، مرورا بالأردن وسوريا وتركيا.
وفي السياق ذاته، ذكرت وسائل إعلام يونانية أن مشروعًا آخر يلوح في دائرة الضوء، وهو ربط غرب سوريا بخط أنابيب الغاز العربي الحالي، الذي يربط سوريا بالأردن ومصر، ويمكن أن يزود أوروبا بالغاز الطبيعي المصري والإسرائيلي.
إلى جانب ذلك، وقعت اليونان وإسرائيل اتفاقية طاقة في 23 ديسمبر الجاري، تهدف إلى إنشاء ممر كهربائي "أخضر" من إسرائيل إلى الاتحاد الأوروبي، عبر اليونان، فضلا عن تسريع مشروع الربط الكهربائي بين اليونان وقبرص وإسرائيل. ويعتبر هذا المشروع الأخير "أطول" كابل تحت سطح البحر (عالي الجهد في العالم)، كونه سوف يربط شبكات النقل الأوروبية بقبرص، ويمتد لاحقًا إلى إسرائيل.
غير أن الفرحة بهذا المشروع لم تدم طويلاً، حيث تم تأجيله، لأن القسم اليوناني ـ القبرصي يواجه طريقًا مسدودًا حاليًا. كما أن تركيا ــــ التي تشهد علاقاتها مع تل أبيب توترات متصاعدة بسبب غزة ـــ عارضته كذلك.
في المحصلة:
المشهد في المنطقة يتجه نحو التعقيد. فتركيا تهدف إلى زيادة نفوذها الجيوسياسي وتصبح مركزًا للطاقة في أوروبا، وهو ما لم تسمح به تل أبيب التي تعتبر أن الطاقة سلاحها الجيوسياسي الرئيسي.
علاوة على ذلك، ستتأثر جميع مشاريع الطاقة قيد المناقشة بتعامل تركيا المستقبلي مع أكراد سوريا، بعدما هدد الرئيس التركي بغزو واسع النطاق، وهو السيناريو الذي تعارضه إسرائيل، نظرًا للعلاقة الحميمة بين الكيان الغاصب والأكراد.

alafdal-news
