رائد المصري - خاصّ الأفضل نيوز
أكدت قواعد الاشتباك الأميركية الجديدة إقليمياً، في كل من سوريا والعراق واليمن، بأن الانقلاب في المشهد صار مسألة وقت ولا عودة فيه إلى الوراء، حيث ارتسمت معالمه في لبنان بتوافق مستمر مع الولايات المتحجة الأميركية والاتحاد الأوروبي، وبهذا يرتسم دور تركي جديد في المنطقة عبر سوريا، ليشكِّل أحد المرتكزات في الاستقرار الإقليمي الذي تسعى إليه، فعام 2024، هو عام الزلازل السياسية، من المحيط إلى الخليج، وعام التأثّر بارتداداته، سقطت أنظمة، وغابت وجوه، واحترقت مشاريع، وتغيّرت الأحوال والبلاد قاطبة، هو عام الرعب، عاشه اللبنانيون شهوراً، فتحوَّلت معيشتهم إلى جحيم.
فالمتغيرات الدراماتيكية السريعة على المنطقة، وضعت حداً للحرب بين حزب الله وإسرائيل، باستثناء الخروقات للعدو جنوباً وفي الأجواء اللبنانية، كما وضعت نهاية لتحالف حزب الله والتيار الوطني الحر، وبحسب مصادر سياسية حصل عليه "الأفضل نيوز" فإن المِلف الرئاسي يدخل قريباً مرحلة مصيرية في الإنجاز أو عبر التأجيل، حيث إن المعطيات المتوافرة لا تنمُّ عن تقدم ملموس أو توجُّه حاسم، ليتم العمل كل يوم بيومه وصولاً إلى اليوم التاسع من الشهر الجاري، إذ إن مشهدية عدم وجود أكثرية برلمانية مرجِّحة يزيد فرضية المفاجآت، خاصة أن موضوع الانتهاكات الإسرائيلية المتمادية لاتفاق وقف النار، بسبب مماطلة الكيان بذلك حتى استنفاد مهلة الستين يوماً، ربما تشكل ضغطاً على بعض القوى السياسية الداخلية في لبنان على أبواب الاستحقاق الرئاسي، وهو ما عجَّل وفعَّل الاتصالات الخارجية بالدول المعنية، حول ما تطلبه الحكومة في إطار الضغط اللبناني الدبلوماسي لوقف الخروقات، فالزيارات الرسمية العربية والدولية إلى بيروت، هي مؤشر على وجود ضغط مشترك لإنجاز الاستحقاق الرئاسي ومعالجة الانتهاكات الإسرائيلية، إذ إن ظروف لبنان والمنطقة تغيَّرت، وتؤكد مصادر نيابية بأن الجلسة النيابية حاصلة مع انتخاب رئيس، وبحسب مصادر نقلت عن الرئيس نبيه بري قوله، "إن انتخاب رئيس توافقي بــ 86 صوتاً (يقصد العماد جوزيف عون) قد لا يحتاج إلى تعديل دستوري بهذا الخصوص"، ويُستشف من كلام بري، بأن هناك حراكًا وضغطًا عربيًّا موازيًا للدخول السعودي بقوة على خط لبنان، بعد أن حصل تطوران لافتان هما بغاية الأهمية:
الأول هو ما يتعلق بما نقلته وكالة إنترفاكس الروسية عن مستشار الكرملن للسياسة الخارجية، بأن الرياض قد جمَّدت انضمامها لمجموعة دول الــ"بريكس" كعضو عامل فيها، بعد مشاركتها في القمة بنسختها السادسة عشرة في مدينة قازان الروسية، بصفة دولة مدعوة للانضمام للمجموعة.
الثاني، بالزيارة التي قام بها قائد الجيش العماد جوزيف عون إلى الرياض، ووضعِ طائرة سعودية خاصة بتصرفه، واستقبال لافت وعالي المستوى على أرض الرياض، وهو ما يعطي مؤشرات إضافية على جدية الاستعدادات الخارجية لإنجاز الانتخابات الرئاسية في جلسة ٩ كانون الثاني المقبل، بخلاف ما يقوم به أو تحاول، من خلاله بعض الأطراف السياسية اللبنانية، للهروب إلى الأمام، والعمل على التمييع والتلاعب بهذا الاستحقاق الدستوري والوطني بامتياز، في مناورات مكشوفة لقطع الطريق بين اليرزة وبعبدا، والحؤول دون وصول قائد المؤسسة العسكرية إلى سدة الرئاسة الأولى، ومع ما شكَّله تجميد انضمام المملكة العربية السعودية لمجموعة بريكس، وللولايات المتحدة والغرب، يكتمل عقد معادلة إقليمية جديدة تركية- سعودية، يبدو أنها تُصاغ على أساسها سياسات دول الإقليم لعقود طويلة.
إن للمملكة العربية السعودية الدور الأبرز في المساعدة مع دول لجنة الخماسية المتشكّلة، من أجل مساعدة الأطراف اللبنانية في إنجاز الاستحقاق الرئاسي، وضمن أجواء هادئة بعيدة عن عمليات الاستقطابات السياسية الحادة وأسلوب الشحن والاستفزاز، وتعزيز مساعي نبذ الخلافات الحزبية والحساسيات الطائفية، لتسهيل تشكيل حكومة سريعاً، وطيْ صفحة الحكومات التي تستغرق شهوراً، لدعم الخطط الاقتصادية وضع البلاد على سكَّة التعافي والإصلاح والإنقاذ، فالرئيس الوفاقي في لبنان، يكون في شخصية مترفِّعة عن الحزازيات والدخول في زواريب السياسات الضيقة والموحلة، ويكون على علاقة جيدة مع أكبر وأوسع قاعدة سياسية ممكنة، ليقوم بدور الحَكَم بين الأفرقاء السياسيين، في إطار المحافظة على مصلحة البلد والمصلحة الوطنية، وغير ملوَّث بالفساد وبالصفقات المشبوهة، مؤمناً بقيام دولة المؤسسات والقانون انطلاقاً من اتفاق الطائف والدستور.
ولذلك شكل إعلان اللقاء الديمقراطي تأييده انتخاب قائد الجيش العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية، صدمة لفتح باب الاجتهاد السياسي، لتعدد التفسيرات والمواقف وأبعادها، على اعتبار أن الدعم الجنبلاطي العلني لعون هو قرار دولي، وكلمة سرّ خارجية وصلت إلى جنبلاط في إطار تمهيد الطريق أمام قائد الجيش، فيما اعتبرها البعض أنها تضر بقائد الجيش، كونها استفزَّت جزءًا من المكون المسيحي، والذي من شأنه أن يعقّد فرص وصول عون بدل أن يعززها.
لكن ما صدر عن كتلة اللقاء الديموقراطي، هو تأييدها لانتخاب اسم مطروح للرئاسة أساساً، وليس ترشيحاً له بالنيابة عن المسيحيين، فعملية خيار دعم هذا المرشح أو غيرها يشكّل حقاً سياسياً ودستورباً مشروعاً لأي كتلة نيابية، حيث أراد جنبلاط إخراج الاستحقاق المنتظر من دائرة الغموض والتردّد، وتحفيز الكتل الأخرى على حسم قرارها بدل أن تبقى لغة الهمس والتدليس، بحسب ما أكدته مصادر رفيعة لـ "الأفضل نيوز" من المضطلعين على كواليس القرار الجنبلاطي، خصوصاً أن المسيحيين لم يتفقوا لحدِّ الآن على مرشح واحد، وما من وصاية على كرسي الرئاسة الأولى في لبنان، فردود الفعل والتوتر الحاصل جراء ذلك، يعكس انفعالاً سياسياً يبدو أنه في غير محله، فلا ضير إذا كان العماد جوزيف عون شخصية مقبولة، ويمكن لاسمه أن يكون موضع تقاطع داخلي وخارجي، كونه يحظى بدعم أميركي، سواء من الإدارة الراحلة أو تلك القادمة، وهو كذلك يشكل قبولاً لدى الثنائي الشيعي الوطني، الذي صوّت إلى جانب التمديد له في قيادة الجيش.
حتى الآن، فإن عملية تمسُّك الأطراف السياسية بمواقفها المتباعدة، ستسقط محاولات التوصل إلى رئيس توافقي، وهو ما يرجِّح كفة قائد الجيش جوزيف عون كمرشح وفاقي، لأنه يتمتَّع بالتفاف شعبي واسع حوله وحول المؤسسة العسكرية، عدا عن علاقاته الجيدة مع معظم الأطراف والأحزاب السياسية، باستثناء التيار الوطني الحر ورئيسه، الذي أبدى استعداداً لتأييد خصمه اللّدود رئيس القوات، بهدف قطع طريق الرئاسة على العماد عون.
الرئاسة والاستقرار في لبنان، يدخلان اليوم في صميم المحادثات مع كبار المسؤولين السعوديين وحول العالم، ولا يملك اللبنانيون ترف الوقت والغنج والتدلل، ما يعني أن الجلسة الانتخابية جدّية، ومستمرة، وكل كلام وتأويل وتمويه وتعمية، هي محاولات لطرح خطابات شعبوية، لا تُسْمن ولا تُغني من جوع، ولبنان بحاجة إلى تكاتف كل أبنائه، والتطلع إلى محيطه العربي، والتفاهم مع العالم، حول أي لبنان نريد.. وأي كيان يرغب به الشعب اللبناني...

alafdal-news



