نبيه البرجي - خاص الأفضل نيوز
إلى أين يمكن أن نذهب في اللهاث وراء الجنون الأميركي، وقد لاحظنا مدى التماهي الإيديولوجي والاستراتيجي، بين الولايات المتحدة وإسرائيل؟
القضية الفلسطينية أو التراجيديا الفلسطينية هي المثال. المملكة العربية السعودية وفرنسا اللتان ترتبطان بعلاقات تاريخية مع أميركا، تبنتا المؤتمر الدولي الذي عقد في نيويورك لوضع خارطة طريق إلى الدولة الفلسطينية. ما كان موقف إدارة دونالد ترامب؟ معاقبة كل دولة تعترف بالحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني التي تجاوزت معاناته معاناة أي شعب في التاريخ، حتى أن الجارة كندا، وهي الدولة الجارة، بالصلات "الجينية" بينهما، تلقت، بما يشبه الضربة على الرأس تهديداً برفع الرسوم الجمركية على صادراتها من 25 % الى 35 %، وهو رقم قاتل.
غداة تفكك الأمبراطورية السوفياتية، أعلن الرئيس جورج بوش الأب قيام "النظام العالمي الجديد"، دون اللجوء إلى أي خطوة إجرائية لإعادة هيكلة المنظمات الدولية، خصوصاً منظمة الأمم المتحدة (وفي إطارها مجلس الأمن الدولي).
آنذاك علّق مستشار الأمن السابق، والباحث المستقبلي زبغنيو برينجسكي بالقول "... بل هي الفوضى العالمية الجديدة".
من يعرف، ومنذ ذلك الحين، ما هي المعايير التي تحكم العلاقات أو المعادلات الدولية؟
ثمة معيار وحيد هو "القوة الأميركية" التي تجلّت في غزو أفغانستان، ثم في غزو العراق، وصولًا إلى إطلاق العنان للوثة الإسبارطية أو التوراتية في العقل الإسرائيلي للذهاب في لعبة الدم إلى ما لايمكن أن يتحمله العقل البشري.
لكن الشرق الأوسط ما زال يرزح تحت قيعة الكاوبوي منذ أن أطلق الرئيس دوايت ايزنهاور مبدأه الشهير (مبدأ ايزنهاور)، عام 1957، تحت شعار "ملء الفراغ" في المنطقة، وبحجة الحيلولة دون الطوفان الأحمر (الطوفان الشيوعي) واختراق البلدان العربية التي بدت وكأنها أحيطت بالسلاسل التي تحول بينها وبين الاقتراب من الزمن التكنولوجي، والبقاء على قارعة القرن، وحتى على قارعة الزمن.
كم رئيس أميركي أقرّ بحل الدولتين؟ إنها أميركا التي تقول للشيء أن يحدث، فيحدث، والتي تمسك بكل مفاصل العصر الحديث، ومع ذلك استبقت الجرح الفلسطيني مفتوحاً على كل الأزمات، وعلى كل النكبات، من أجل الاستنزاف الكارثي لثروات العرب، ولأجيال العرب، لنظهر هكذا في حال دراماتيكي من التحلل، كما من التقهقر، كثبانًا بشرية وتذروها الرياح كما تذروها الحرائق.
غزة فجيعتنا الكبرى، فضيحتنا الكبرى. في أيدينا كل المعطيات التي تمكننا من أن نضع أوراقنا على الطاولة، بدل أن نبقى الحجارة المحطمة على رقعة الشطرنج. لم تعد المسألة تقتصر على اقتلاع الفلسطينيين مما تبقى من الأرض الفلسطينية (وثمة محادثات تجري بين حكومة بنيامين نتنياهو في إسرائيل وحكومة سالفا كير مايارديت في جنوب السودان لترحيل آلاف الفلسطينيين إلى هناك، أي العودة بهم إلى الوراء إن في المكان أو في الزمان).
هؤلاء الفلسطينيون الرائعون، بالأداء الأسطوري على الأرض، وفي ظروف أكثر من أن تكون مستحيلة، تمكنوا من زعزعة البنية السياسية والعسكرية، وحتى البنية السيكولوجية، لغالبية الإسرائيليين!
كلام هام وخطير صدر هذا الأسبوع. زعيم الليكود الذي يمارس سياسة الإبادة الأبدية للفلسطينين، قال للقناة 24، "إنني في مهمة تاريخية، وروحانية، وترتبط عاطفياً برؤيا إسرائيل الكبرى"، ليكرس نفسه صاحب مهمة إلهية تتجاوز كل الأصوات المعارضة له، إن في الدولة العبرية أو في الدول الأخرى، بما فيها الدول الأوروبية التي كانت دوماً الظهير السياسي، والظهير العسكري، والظهير الإعلامي، لسياسات إسرائيل، منذ قيامها، وحتى الآن ..
ما يزيد في خطورة اللحظة، بل وفي خطورة الوضع الذي ينتظرنا كعرب، أن إدارة دونالد ترامب، تأخذ بتلك "الرؤيا"، لنذكّر بما قاله السفير الأميركي في القدس، لا في تل أبيب، مايكل هاكابي، من أن تغيير الشرق الأوسط سيكون بأبعاد توراتية.
لم نفاجأ بما يمكن وصفه بـ "الانفجار التوراتي" في رأس نتيناهو، إذ ثابر، ومنذ بدء العمليات العسكرية بعد عملية "طوفان الأقصى" على التأكيد بأن ما يقوم به على الأرض هو تنفيذ لما قضى به "رب الجنود" أن في النص التوراتي، أو في النص التلمودي، لتبلغ البربرية الدموية حدودها القصوى، ما حمل الفيلسوف اليهودي الأميركي تورمان فلنكشتاين إلى التساؤل ما "إذا كنا ورثة يهوه أم ورثة هولاكو؟".
لماذا لم يقل ورثة الفوهرر (أدولف هتلر) أيضاً؟
دولة من النيل إلى الفرات؟
طبعاً الرهان المستحيل. ولكن هل يكفي التنديد (والوعيد)؟ كعرب يفترض أن ننفخ في الأبواق، ونعلن الاستنفار، بدل أن نبقى على تلك الحالة من التبعثر والضياع (واللاقرار)، إذا ما أخذنا بالاعتبار مدى الهيستيريا التوراتية التي تحكم الائتلاف في إسرائيل، وكذلك الإدارة في الولايات المتحدة، وحيث العمى الإيديولوجي، والعمى الاستراتيجي، في ذروته.
إسرائيل الكبرى! ألا يكفي هذا الشعار الذي أعلن بنيامين نتنياهو عزمه على تحقيقه، بدفع الهي كما يعتقد، ودفع أميركي كما هو واقع الحال، لننزل كلنا إلى الخنادق بدل أن نبقى الحجارة المحطمة على رقعة الشطرنج..