طارق ترشيشي - خاص الأفضل نيوز
بعد "الاستقبال الجاف" الذي لقيه الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني لدى كل من رئيس الجمهورية العماد جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، في مقابل "الاستقبال الحار" الذي لقيه لدى رئيس مجلس النواب نبيه بري، اكفهرت الأجواء العامة في لبنان وانقسمت القوى السياسية فيه بين فريق حمل على المسؤول الإيراني وبلاده وآخر مؤيد لما حمله وعبّر عنه أمام المسؤولين الذين التقوه.
ما يكتب على الورق في شأن "حصرية السلاح بيد الدولة" أي نزع سلاح حزب الله غير ما هو على أرض الواقع، فهذا الملف شديد التعقيد والخطورة، ولا يمكن أن يعالج بقرار حكومي بعيدًا من الأبعاد الإقليمية والدولية التي ينطوي عليها.
فهو لا يتصل بمستقبل لبنان فقط وإنما بمستقبل الشرق الأوسط الذي تريد إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية "تغيير وجهه" من خلال الحرب التي خاضتها ولا تزال تخوضها في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن وإيران.
ربما أن السلطة اللبنانية وبضغط أميركي مشفوع بضغط بعض الدول العربية، تراءى لها أن نزع سلاح حزب الله بقرار حكومي يمكن ان يكون يعبر الى التنفيذ ويبطل حجج واشنطن وتل ابيب لوقف العدوان الاسرائيلي اليومي على لبنان. ولكن في انتظار الرد الإسرائيلي الرسمي الذي سيحمله الموفد الأميركي توم براك ومساعدته مورغان أورتاغوس إلى المسؤولين اللبنانيين الاثنين المقبل، فإن كل المواقف الإسرائيلية من حديث بنيامين نتنياهو عن مشروع إقامة "إسرائيل الكبرى" إلى حديث القادة العسكريين عن عدم الانسحاب من الجنوب اللبناني، تشير إلى أن "تسليم" السلطة اللبنانية بالخطة الأميركيّة لم ينفع، وأن سيناريو الاجتياح الإسرائيلي للجنوب حتى نهر الأولي المتخوف منه قد يكون وارداً.
فكل بند في الخطة الأميركيّة التي تبناها مجلس الوزراء يحتاج إلى اتفاق وأن المدد الزمنية المحددة فيها قد لا تلتزمها إسرائيل وربما يكون مصيرها كمدة الستين يومًا التي حددها الاتفاق على وقف إطلاق النار الذي أعلن في 27 تشرين الثاني الماضي ولم تلتزمه تل أبيب حتى الآن.
والملفت في هذا الإطار كان ما قالته وزيرة البيئة تمارا الزين أن "تفاصيل ورقة براك مخيفة وكل بند فيها يحتوي على فخ".
وكشفت الزين المستور عندما قالت: "كان يجب التمهل قبيل انعقاد الجلستين الوزاريتين (حول مسألة السلاح) ليحصل التوافق بين الجهات المعنية"، موضحة أنّ "مناقشة ورقة الموفد الأميركي توم برّاك بمثابة استسلام"، كاشفة عن أنه "كان هناك اتفاق ضمني بتأجيل إقرار بند حصرية السلاح ولم يتم الالتزام به". ومؤكدة أنّ "الجلسة الحكومية التي سيعرض فيها الجيش اللبناني خطته ستكون في 2 أيلول المقبل، ولا أحد يعرف مضمون هذه الخطة".
وداعية الجيش اللبناني إلى "مقاربة الخطة بطريقة مدروسة ومناقشتها مع رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة نواف سلام". ومشيرة إلى أنّ بري "سيحاول حتى اللحظة الأخيرة منع وصول لبنان إلى صدام أو تشنجات"، جازمة بأنه "من سابع المستحيلات أن يصبح هناك اقتتال لبناني - لبناني".
والواقع أن زيارة لاريجاني للبنان التي جاءت قبل أيام من موعد وصول الموفد الأميركي وموفدين عرب وأجانب للوقوف على الوضع بعد صدور قرار الحكومة بحصرية السلاح بيد الدولة، أطلقت نزاعًا على النفوذ في المنطقة بين إيران والولايات المتحدة الأميركيّة وحلفائها العرب والغربيين، ولبنان يشكل في هذا الحال إحدى أبرز ساحات هذا النزاع الذي هو في الحقيقة نزاع يفترض أن يولد شرق أوسط جديد تريده طهران خال من النفوذ الأميركي ـ الإسرائيلي، وواشنطن في المقابل تريده أن يكون خاليًا من أي محور أو قوى تهدد مصالحها وأمن إسرائيل. ولذلك هي كانت ولا تزال تعتبر أن حزب الله مصدر رئيسٌ لهذا التهديد ولذلك تشن الحرب عليه بواسطة آلة الحرب الإسرائيلية بغية تدميره، وهي حاولت إنهاء "محور المقاومة" برمته من خلال الحرب التي شنتها أخيرًا على إيران رأس حربته ولكنها فشلت في ذلك، لكن احتمال تجدد هذه الحرب في أي لحظة ليس مستبعدًا.
ويبدو أن لاريجاني أراد من خلال زيارته للعراق ولبنان أن يرسم خطوطًا حمراء أمام الأميركي والإسرائيلي لمنع نزع سلاح "الحشد الشعبي" العراقي وسلاح حزب الله اللبناني لأن المشروع المطروح لنزح سلاح هذين التنظيمين هو نفسه، وتتمسك به إيران لأنه من بين المرتكزات التي يقوم عليها نفوذها الإقليمي.
ومع أن لاريجاني أكد للمسؤولين اللبنانيين أن بلاده لا تتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية ولا في أي اتفاق يحصل بين الحكومة اللبنانية وحزب الله حول سلاح المقاومة، فإنه أكد في المقابل أن حزب الله والبيئة التي ينتمي إليها ليسا متروكين لمصيرهما بالنسبة إليها مهما كلف الأمر، خصوصًا بعد سقوط النظام السوري واستمرار العدوان الإسرائيلي. ولكنه نصح بالحفاظ على سلاح المقاومة لأنه يشكل مصدر قوة للبنان لا يجوز التفريط بها في ظل ما تشهده المنطقة من مخاطر ومتغيرات.
على أنه ما إن غادر لاريجاني لبنان حتى أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن "السلام في المنطقة سيكون أقل استقرارًا دون سلاح المقاومة"، في إشارة منه إلى الدور الذي يلعبه حزب الله في التوازنات الإقليمية، معتبرًا أن المقاومة "تمثل عنصر ردع أساسيًّا في وجه التهديدات الإسرائيلية المستمرة"، ومحذرًا من أن "أي محاولة لنزع سلاحها ستُفسر كإضعاف للجبهة اللبنانية في مواجهة العدوان". واعتبر أن "حزب الله كيان مستقل في قراراته، ويتخذ مواقفه انطلاقًا من المصلحة الوطنية اللبنانية"، مؤكدًا أن "لا نية لدينا، ولا رغبة، في التدخل بالشؤون الداخلية للبنان. ونحن نحترم سيادة هذا البلد وندعم استقراره ووحدته".
وفي ضوء كل ما تقدم، وفي انتظار وصول براك وأورتاغوس وغيرهما من الموفدين الدوليين، فإن الساحة اللبنانية بدأت تستعد لنزاع ديبلوماسي غربي ـ إيراني محوره نزع سلاح حزب الله من عدمه، ويخشى أن يتحول في لحظة ما إلى نزاع عسكري.
ولكن قبل كل ذلك ينتظر الجميع خطة نزع السلاح التي كلف مجلس الوزراء اللبناني قيادة الجيش وضعها في مهلة أقصاها نهاية آب الجاري، ليبدأ شهر أيلول الذي عادة ما يكون "طرفه بالشتي مبلول"، ولكنه هذه المرة، وحسب تقديرات البعض، قد يكون "طرفه بالحرب مبلول"..
في اختصار كل المواقف والمؤشرات تشير إلى أن لبنان بات في عين "عاصفة نزع السلاح" التي إن هبت فإنها قد تغير وجه لبنان، فإما يكون وجهًا مقاومًا مثلما يريد محور المقاومة، وإما يكون وجهًا مطبّعًا مثلما تريده الولايات المتحدة الأميركيّة وإسرائيل.