ميرنا صابر -خاصّ الأفضل نيوز
في لبنان، لا يُعتبر فنجان المتّة مجرّد عادة اجتماعيّة أو جلسة جبليّة دافئة، بل أصبح اليوم عنواناً لجدل طبي واقتصادي في آن واحد. فبينما يتسابق البعض نحو إبر التنحيف باهظة الثمن التي غزت السوق اللبناني وتحوّلت إلى هوسٍ بين النساء والرجال على السواء، يعود مشروب المتّة ليخرج من نطاق الجبل إلى وسائل التواصل الاجتماعي على أنه "البديل الطبيعي" المنظّم للسكر والمساعد على خسارة الوزن، في مشهدٍ يعكس بوضوح الأزمة الاقتصادية التي دفعت اللبنانيين إلى البحث عن "علاجات الفقراء" بدل الأدوية المستوردة.
فالأزمة الاقتصادية التي دفعت بأسعار الأدوية إلى الارتفاع بنسبة تفوق 400% خلال ثلاث سنوات، جعلت من الأعشاب الطبيّة والخلطات الطبيعيّة جزءاً من المشهد العلاجي اليومي. واللافت أن المتّة، التي دخلت لبنان مع المهاجرين من أميركا الجنوبيّة منذ أكثر من قرن، تحوّلت اليوم من مشروب اجتماعي إلى "وصفة منزلية" لمحاربة السكّري والوزن الزائد، تماماً كما كانت القهوة يوماً "منبّهاً" قبل أن تصبح ضرورة صباحيّة.
في المقابل، تُظهر الدراسات الطبيّة الحديثة أن المتّة تحتوي على مركّبات البوليفينول والكافيين ومضادات الأكسدة، التي تساهم في تحسين امتصاص الجلوكوز وتنشيط عمل الإنسولين في الجسم، ما يؤدي إلى انخفاض تدريجي في معدلات السكر بنسبة قد تصل إلى 10% عند الاستهلاك المنتظم على مدى شهرين، وفقاً لأبحاث أُجريت في جامعات أميركية. كما أثبتت التجارب أن المتّة تساعد في تعزيز الشعور بالشبع، وتقليل امتصاص الدهون بنسبة 12 إلى 14%، ما يجعلها عاملاً مساعداً في ضبط الوزن وليس بديلاً عن برامج التنحيف الطبية.
وفي وقتٍ تُباع فيه إبر التنحيف في السوق اللبنانية بأسعار تتراوح بين 220 و350 دولاراً للحقنة الواحدة، غالباً من دون وصفة طبيب أو إشراف مختص، تشير بيانات وزارة الصحة إلى أن نسبة الإقبال على هذه الحقن تضاعفت ثلاث مرات خلال عام واحد، رغم التحذيرات من مضاعفاتها القلبيّة والهرمونيّة.
في المقابل، لا تزال المتّة تُستهلك يومياً في أكثر من 70% من البيوت الجبليّة، خصوصاً في مناطق الشوف وراشيا وحاصبيا، حيث يقدَّر متوسط استهلاك الفرد بنحو 3 إلى 5 أكواب يومياً، ما يعادل أكثر من مليون فنجان على مستوى البلاد في اليوم الواحد.
طبيّاً، أشار اختصاصيون في الغدد الصماء والباطنية لـ"الأفضل نيوز" أنّ: "المتّة يمكن أن تُدرج ضمن نظام غذائي متوازن لمرضى السكّري من النوع الثاني، شرط الاعتدال في تناولها وعدم إضافـة السكر أو الشوكولا إليها". فهي، تساهم في خفض مقاومة الإنسولين وتخفيف الإجهاد التأكسدي في خلايا الكبد والبنكرياس، الأمر الذي ينعكس استقراراً نسبياً في مستويات السكر بعد الوجبات. ومع ذلك، حذّر الاختصاصيون من الإفراط في شرب المتّة الساخنة جداً لما قد تسببه من تهيّج في المريء أو ارتفاع في ضغط الدم لدى كبار السن، خصوصاً إذا تم استهلاكها فوق 65 درجة مئوية.
اقتصادياً، يمكن القول إن المتّة أصبحت اليوم "دواءً اجتماعياً" بقدر ما هي مشروب شعبي. فهي تعبّر عن تكيّف اللبنانيين مع واقعٍ صحيّ قاسٍ، حيث أضحت الأعشاب تُستعمل كبدائل علاجيّة لقصور النظام الصحي وانهيار القدرة الشرائيّة. في بلدٍ يتجاوز فيه الحد الأدنى للأجور 9 ملايين ليرة لبنانية، بينما يبلغ سعر عبوة دواء السكّري المستورد نحو مليون ليرة، يجد المواطن نفسه أمام خيارين: حقنة التنحيف التي قد لا يتمكن من شرائها، أو جرّة متّة تبقى في متناول الجميع.
ومع ارتفاع نسبة السمنة في لبنان إلى ما يقارب 30% من السكان البالغين، وتزايد معدل الإصابة بالسكري إلى واحد من كل ثمانية أشخاص، تصبح المتّة، رغم بساطتها، جزءاً من معركة اللبنانيين اليوميّة للبقاء أحياء بأقل كلفة ممكنة.
لكن بين فنجانٍ يهدّئ الأعصاب وحقنةٍ تُعد بالرشاقة السريعة، يظلّ العلم هو المرجع الأخير، والحذر واجباً قبل تحويل العادات الشعبيّة إلى أدوية طبيّة.

alafdal-news
