يارا أيوب - خاصّ الأفضل نيوز
في لبنان، لا تُقاس آثار الحروب فقط بما خلّفته من دمار مادي أو خسائر بشرية، بل بما زرعته من خوفٍ عميق في النفوس. فالحرب النفسية أصبحت واقعًا يوميًا يعيشه اللبنانيون، تتغذّى من الأزمات المتلاحقة، وتُدار عبر الشائعات، والخطاب التحريضي، والانقسام السياسي والطائفي، حتى بات المواطن يعيش في حالة استنزاف نفسي دائم.
منذ سنوات، يتعرّض اللبناني لضغط نفسي مستمر عبر التهويل المتكرر بانهيار شامل: انهيار اقتصادي، انفجار أمني، حرب وشيكة، أو فقدان كامل لمقومات العيش. هذه الرسائل، التي تُبث عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، أدّت إلى ترسيخ الخوف كحالة عامة. مثال ذلك مشاهد الذعر الجماعي عند كل خبر عن توتر أمني أو تصريح سياسي، حيث ينعكس ذلك مباشرة على الشارع، من تخزين المواد الغذائية، إلى سحب الأموال، وحتى إلغاء أبسط مظاهر الحياة اليومية.
اجتماعياً، ساهمت الحرب النفسية في تعميق الانقسام بين اللبنانيين. فالخطاب السياسي والإعلامي القائم على التخوين والتحريض جعل من الاختلاف السياسي سبباً للقطيعة الاجتماعية. في بلد صغير كلبنان، تحوّل الانتماء الطائفي أو الحزبي إلى مصدر شك وخوف بدل أن يكون إطاراً للتنوع، ما أضعف الثقة بين المواطنين وهدّد السلم الأهلي.
اقتصادياً، كانت الحرب النفسية شريكاً أساسياً في الانهيار. ففقدان الثقة بالمصارف والدولة، والترويج الدائم لسيناريوهات الإفلاس الكامل، أدّيا إلى هلع مالي واسع. مشاهد المودعين الغاضبين أمام المصارف لم تكن فقط نتيجة أرقام وخسائر، بل تعبيراً عن صدمة نفسية جماعية وشعور عميق بالخذلان. كما دفعت هذه الحالة آلاف الشباب اللبناني إلى الهجرة، ليس فقط بحثاً عن عمل، بل هرباً من الضغط النفسي وانعدام الأمل.
أما الأطفال والشباب، فهم من أكثر الفئات تضرراً. جيلٌ نشأ على وقع أزمات متلاحقة: حرب، انفجار، انهيار اقتصادي، وجائحة. هذا التراكم خلق شعوراً عاماً بعدم الاستقرار وفقدان الثقة بالمستقبل، وظهر ذلك في ارتفاع نسب القلق والاكتئاب، وتراجع الانتماء الوطني لدى فئة واسعة من الشباب.
إعلامياً، تحوّل لبنان إلى ساحة مفتوحة للحرب النفسية. فغياب الضوابط المهنية وانتشار الأخبار الكاذبة والمبالغ فيها جعلا المواطن اللبناني يعيش بين صدمتين: صدمة الواقع القاسي، وصدمة الصورة السوداوية التي تُقدَّم له يومياً. ومع الوقت، أصبح اليأس حالة شبه طبيعية، وتحوّل التعايش مع الأزمات إلى نوع من الاستسلام.
في الخلاصة، يعيش لبنان اليوم حرباً نفسية حقيقية لا تقلّ خطراً عن أي عدوان عسكري. حرب تُنهك المجتمع، وتكسر إرادته، وتُضعف قدرته على النهوض. ومواجهتها تبدأ من الوعي، ومن إعلام مسؤول لا يهوّل ولا يضلّل، ومن سياسات تعيد بناء الثقة، لأن إنقاذ الإنسان اللبناني نفسياً هو الخطوة الأولى لإنقاذ الوطن.

alafdal-news
