طارق ترشيشي - خاصّ الأفضل نيوز
بعد الإعلان رسميًّا عن إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية في جنوب نهر الليطاني، وتصريحات قيادة الجيش التي أكّدت تقدم تنفيذ الخطة بحضور مؤسسات الدولة، يطل المشهد اللبناني ـ الإسرائيلي على مفترق حاسم بين تحولات في بنية الأمن الوطني اللبناني و تفاعل إقليمي ودولي مع هذا الملف الحيوي.
فقد أكدت قيادة الجيش في بيانها الأخير أنها حققت حصرية السلاح بيد الدولة في منطقة جنوب نهر الليطاني ولو أن إسرائيل لم توقف إطلاق النار بعد، ولم تنسحب من التلال الخمس التي ما تزال تحتلها، وتعيق استمكال تنفيذ المرحلة الأولى من خطة حصرية السلاح، ولكن ما أنجز يمكن اعتباره نقطة تحول في اتجاه تعزيز سيادة الدولة على كل الأراضي اللبنانية.
لكن هذه الخطوة ليست فصلا نهائيا في القضية، فالمرحلة الثانية من الخطة ستشمل شمال نهر الليطاني، وستتطلّب تحضيرات سياسية وعسكرية تؤمن البيئة المناسبة لتطبيقها.
وفي ضوء تقرير قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل حول تقدم تنفيذ خطة حصر السلاح بيد الدولة خلال جلسة مجلس الوزراء الأخيرة التي سبقها إعلان الجيش تحقيق أهداف المرحلة الأولى من الخطة العسكرية في جنوب نهر الليطاني، وترحيب أركان السلطة به، وجدت أوساط سياسية وديبلوماسية في هذا الأمر "خطوة استراتيجية في مسار طويل من الشروط والتعقيدات"، إذ أظهر القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء بالمضي في خطة حصرية "مقدارا من التوافق السياسي حول تعزيز دور الجيش كضامن وحيد للأمن في لبنان"، فيما يرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس رغبة السلطة اللبنانية في تحقيق "سيادة فعلية" تنهي الوضع الأمني الهش المستمر منذ عقود.
غير أن النجاح الجزئي الذي تحقق حتى الآن لا يعني أن الأزمة قد انتهت، فالخطة لا تزال في بدايتها، والانتقال إلى المرحلة الثانية يتطلب إعداد تصوّر تفصيلي طلب مجلس الوزراء من قيادة الجيش إعداده ليدرسه في شباط المقبل ويحدد طريقة تطبيق "احتواء السلاح" شمال الليطاني، حسبما تقرّر في جلسته الأخيرة.
أما على المستوى الإقليمي، فإن ملف حصر السلاح بيد الدولة يرتبط ارتباطًا وثيقا بوقف "الأعمال العدائية" بين لبنان وإسرائيل حسبما يقضي اتفاق وقف إطلاق النار الصادر في 27 تشرين الثاني 2024 وقبله القرار الدولي 1701 الصادر عام 2006. فخلال الأشهر الماضية، كان تنفيذ الخطة مشروطاً بوقف كلي لهذه الأعمال العدائية وانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة وفق بنود اتفاق وقف إطلاق النار وهو ما لم يتحقق كليا بعد.
وفي المقابل، اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التقدّم اللبناني مؤشرا إيجابياً لكنه "غير كافٍ"، مشترطا نزع سلاح حزب الله كليا، ما يؤكد غياب أي خطوات ملموسة نحو إنهاء حال الحرب، فيما تستمر إسرائيل في اعتداءاتها اليومية على الجنوب وعمق لبنان ، الأمر الذي يبقي الوضع على الحدود الجنوبية اللبنانية متدهوراً، فيما تحقيق تحول جوهري في هذا المجال يتطلب تعاونا دوليا وإقليميا أوسع.
لكن الدور الذي يلعبه حزب الله يبقى العامل الأكثر حساسية في هذا الملف، فبينما تدعو الحكومة إلى حصر السلاح بيد الدولة، يرى الحزب أن التخلّي عن سلاحه يجب أن يسبقه انسحاب إسرائيلي كامل من الجنوب ووقف الاعتداءات الإسرائيلية وإطلاق الأسرى اللبنانيين وعودة النازحين وإطلاق عملية إعادة الإعمار.
موقف "الحزب" هذا قد يضع الحكومة اللبنانية أمام امتحان صعب بين التصميم على فرض سيادة الدولة وبين الحاجة للحفاظ على التوازن الداخلي ومنع حصول انقسامات سياسية حادة قد تضع الاستقرار الوطني على المحك.
لكن بعض الأوساط اللبنانية والدولية المهتمة تعتبر أن القرار الحكومي بحصر السلاح بيد الدولة يشكل تحوّلا تاريخيا في العقيدة السياسية للدولة بعد عقود من التسويات الهادفة إلى الحفاظ على توازنات داخلية على حساب سيادة الدولة المطلقة.
وترى هذه الأوساط أن نجاح تنفيذ الخطة بكاملها يتطلب إطارا سياسياً يتوافق عليه اللبنانيون، خصوصاً في المناطق ذات الحساسية الطائفية والجغرافية، مع ضمانات لوقف الاعتماد على الخارج كوسيلة لاحتواء التأثيرات الخارجية على القرار الوطني.
وتحذر الأوساط نفسها من أن الضغوط الدولية، ولا سيما الضغوط الأميركية ـ الإسرائيلية، قد تؤدي إلى تصعيد في الوضع إذا لم تُحط الخطوات السياسية الداخلية بعناية مركزة، وكذلك تحذر من أن تنفيذ الخطة من دون توافق قد يدخل لبنان في مواجهات داخلية أو ضعف في مؤسسات الدولة مقابل تصاعد التأثير الخارجي، على أن المعطيات الحالية تشير إلى أن مستقبل الأوضاع يقف أمام مجموعة من السيناريوهات وأبرزها:
1ـ الاستقرار النسبي الذي يتأتى من تحقيق الجيش اللبناني تقدماً في تنفيذ الخطة وحصول تهدئة على الحدود، ما يعزز حضور الدولة ويخفض وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية اليومية، ولكن هذا الأمر يتطلب دعما دولياً وضغطاً دبلوماسياً لإلزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها والانخراط في مفاوضات لتثبيت الحدود تثبيتأً واضحا.
2ـ التصعيد المحدود الذي قد ينجم من تفاقم التوتر إذا فشلت المفاوضات حول الانسحاب الإسرائيلي أو في حال اعتبرت جهات فاعلة محلية وإقليمية تقدم الجيش تهديداً، ما قد يؤدي إلى وقوع حوادث أمنية حدودية توظفها أطراف مختلفة لتبرير تصعيد عسكري متبادل.
3ـ نجاح الأمم المتحدة والوساطة الدولية في دفع مسار الأوضاع في اتجاه يأخذ طابعا متعدد الأطراف ويكون مشفوعا بتدخلات دولية تهدف إلى تحقيق انسحاب إسرائيلي مقابل خطوات لبنانية ملموسة لحصر السلاح ودمج المجموعات المسلحة في إطار مؤسسات الدولة.
وفي أي حال، فإن ملف حصر السلاح بيد الدولة يبقى أحد أكثر القضايا تعقيدًا في النزاع اللبناني ـ الإسرائيلي، إذ إنه يجمع بين أبعاد سيادية لبنانية داخلية، وبين رهانات إقليمية تتعلق بوقف التصعيد الدائم على الحدود. وإن التقدّم الذي أحرزته المرحلة الأولى من حصرية السلاح جنوب نهر الليطاني يعكس تصميمًا على استعادة الدولة لدورها، لكنه أيضًا يعيد التأكيد أن النجاح النهائي لن يتحقق بمعزل عن بيئة إقليمية مستقرة وتعاون دولي جاد، ومن دون فهم دقيق لموازين القوى على الأرض من كلا الجانبين.

alafdal-news
