ميرنا صابر - خاصّ الأفضل نيوز
في عالم الوراثة، لا يبدأ القلق دائمًا من حدثٍ كبير، بل أحيانًا من سؤال صغير عن تفصيل يبدو بسيطًا. هكذا عاد كروموسوم Y إلى الواجهة، ليس بوصفه رمزًا للذكورة فقط، بل كعنصر وراثي أساسي يحدد مسارًا بيولوجيًا كاملًا، من تكوّن الأعضاء التناسلية الذكرية إلى خصوبة الرجل. ومع كل دراسة جديدة، يتكرر السؤال الذي يربك الرأي العام: هل يمكن أن يكون هذا الكروموسوم فعلًا على طريق التلاشي؟
علميًا، لا يُعد هذا النقاش جديدًا؛ فالدراسات التطورية تشير إلى أن كروموسومَي X وY كانا في الأصل متشابهين قبل نحو 180 مليون سنة، ثم بدأ كروموسوم Y يفقد قدرته على تبادل المقاطع الجينيّة مع X عبر الزمن. هذا الانفصال جعله أكثر عرضة لتراكم الطفرات وفقدان الجينات، إذ لم يعد يملك "الشريك" الذي يساعد على تصحيح الأخطاء الجينيّة كما يحدث في بقيّة الكروموسومات. ووفق تقديرات أكاديمية، فقد خسر كروموسوم Y ما يقارب 90% من الجينات التي كان يشترك بها تاريخيًا مع كروموسوم X .
من هنا ظهرت عناوين مثيرة مثل "انقراض الرجال"، وترافق معها رقم تداوله الإعلام بكثرة: سيناريو يفترض أن اختفاء كروموسوم Y، إذا استمر تقلّصه بالوتيرة نفسها، قد يحدث خلال نحو 4.6 ملايين سنة. إلا أن هذه القراءة تبقى مبسطة أكثر من اللازم. فالدراسات المقارنة بين البشر وأقربائهم من الرئيسيات تظهر أن مرحلة "الفقدان الكبير" حصلت في وقت مبكر جدًا من تاريخ هذا الكروموسوم، وأن ما تبقى منه يبدو مستقرًا نسبيًا منذ عشرات ملايين السنين، مع اختلافات بين الأنواع.
الأهم هنا أن الحديث عن "الانقراض" لا يعني خطرًا وشيكًا. فلا أحد يتحدث عن اختفاء كروموسوم Y غدًا أو خلال قرون. النقاش العلمي الحقيقي يدور حول سؤالين أساسيين: هل ما تبقى من هذا الكروموسوم هش فعلًا على المدى البعيد؟ وإذا حدث تراجع جذري يومًا ما، كيف ستتكيّف البيولوجيا مع غياب المفتاح التقليدي لتحديد الجنس؟
من الناحية الطبيّة، لا يمكن فصل الجينات عن البيئة؛ فالأبحاث العالميّة تؤكد أن جودة الحيوانات المنوية انخفضت بأكثر من 50% خلال العقود الخمسة الماضية، نتيجة عوامل مثل التلوث، التدخين، التوتر المزمن، وسوء التغذية. وفي لبنان، تتضاعف خطورة هذه العوامل بفعل الضغوط الاقتصادية المستمرة، غياب الاستقرار، تلوث الهواء والمياه، وانتشار استخدام الأدوية من دون رقابة طبيّة، ما ينعكس مباشرة على الصحة الإنجابيّة، حتى لو لم يكن كروموسوم Y نفسه مهددًا بالزوال.
وفي هذا السياق، تؤكد مصادر طبيّة متابعة لهذا الملف لـ"الأفضل نيوز" أن العيادات اللبنانيّة تسجّل ارتفاعًا ملحوظًا في اضطرابات الخصوبة الذكرية لدى فئات عمرية أصغر من السابق، أي في الثلاثينات بدل الأربعينات والخمسينات.
وتشير المصادر إلى أن هذا الواقع لا يعني ضعفًا جينيًا لدى اللبنانيين، بل ضغطًا بيئيًا ومعيشيًا متزايدًا على نظام بيولوجي دقيق، أساسه كروموسوم يحمل أصلًا عددًا محدودًا من الجينات ووظائف شديدة الحساسيّة.
علميًا، وظيفة كروموسوم Y ليست اجتماعية أو ثقافية، بل بيولوجية بحتة؛ فهو يحتوي لدى الإنسان على نحو 40 جينًا فعّالًا مرتبطًا بتحديد الجنس الذكري والخصوبة، أي تغيّر جذري في دوره لن يمر من دون أثر، وقد يفرض، نظريًا وعلى مدى زمني بعيد جدًا، إيجاد آليات بديلة لتحديد الجنس أو نقل بعض وظائفه إلى كروموسومات أخرى، كما حدث في بعض أنواع القوارض، وإن بآليات تختلف عن الإنسان.
في المقابل، يخلط كثيرون بين هذا النقاش وبين ظاهرة طبيّة مختلفة تُعرف بفقدان كروموسوم Y في بعض خلايا الدم مع التقدم في العمر، هذه الحالة، المرتبطة بالشيخوخة وبعض المخاطر الصحيّة، لا تعني أن الكروموسوم في طريقه إلى الاختفاء وراثيًا من البشر، بل تظل ظاهرة خلوية محدودة لا تمس البنيّة الجينيّة للنوع البشري.
اليوم، يقف العلم بين فرضيتين واضحتين: الأولى ترى أن كروموسوم Y يتآكل ببطء وقد يختفي بعد ملايين السنين، والثانية تعتبر أنه، بعد خسائره التاريخيّة المبكرة، دخل مرحلة استقرار طويلة تجعل فكرة الانقراض غير حتميّة ولا قريبة. وبين هذين الرأيين، يبقى المؤكد أن كروموسوم Y لم يعد مجرد تفصيل وراثي، بل نافذة لفهم كيفية تكيّف الطبيعة عندما تفقد إحدى أدواتها.
أما للباحث عن المعلومة الموثوقة وسط ضجيج السوشال ميديا، يمكننا القول إنَّه " لا دليل علميًا على اختفاء قريب لكروموسوم Y، لكن هناك أدلة قوية على أنه فقد معظم جيناته تاريخيًا، وعلى أن الطبيعة قادرة، في بعض الأنواع، على إيجاد بدائل بيولوجيّة". وبين هذه المعطيات، يبقى النقاش مفتوحًا، لا عن "انقراض الرجال"، بل عن قدرة الحياة نفسها على الاستمرار عندما تتغير قواعدها.

alafdal-news
