أكرم حمدان – خاص "الأفضل نيوز"
استوقفتني، لا بل حيّرتني، المواقفُ والتصريحاتُ التي يُطلقها وزيرُ الخارجية والمغتربين يوسف رجي، ولا سيما ما يتعلّق منها بالسياسة الخارجية للحكومة وللدولة، تجاه القضية الأهمّ والأكثر حساسية لدى اللبنانيين، أي موضوع الصراع مع العدو الإسرائيلي، واحتلال الأرض، والاعتداءات المتواصلة على مختلف المناطق، ولا سيما الجنوب وأهله.
بمعزلٍ عن الخلفية الحزبية والسياسية للوزير رجي، والموقف من حزب الله والمقاومة والسلاح، وبعيدًا عن التحليلات والقراءات المختلفة لهذه المواقف والتصريحات، فإن ما يستدعي التوقّف عنده أولًا، وقبل النص الدستوري، هو التعميم الصادر عن الوزير رجي في 2 كانون الثاني 2026 على البعثات الدبلوماسية والقنصلية في الخارج، تحت عنوان ما أسماه "توجيهات الوزارة المتعلّقة بموقف لبنان وسياسته الخارجية إزاء أبرز المسائل الإقليمية والمحلية".
ووفق مطّلعين على مضمون التعميم، فإنّه يُخالف في غالبيّة بنوده السياسة العامة للحكومة، ويتجاهل العديد من حقوق لبنان، وأهمّها وأخطرها قضية النقاط الخمس التي لا تزال تحتلّها إسرائيل، وقضية احتلال مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، إذ يربطها التعميم بالتفاوض وترسيم الحدود بين لبنان وسوريا، متجاهلًا واقع احتلالها من قبل إسرائيل، إلى جانب اعتراف الولايات المتحدة الأميركية بضمّ الجولان إلى كيان الاحتلال. وبالتالي، فلا توجد إمكانية لترسيم الحدود بين لبنان وسوريا في هذه المنطقة، علمًا أنّه، ووفق الوثائق والوقائع التاريخية الموجودة في وزارة الخارجية، يوجد ترسيم بين لبنان وسوريا في تلك المنطقة منذ عقود طويلة. وهكذا يكون الوزير رجي، عمليًا، قد طلب من البعثات الدبلوماسية عدم الحديث عن مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وحتى عن بقية النقاط المحتلّة.
ويتضمّن التعميم الكثير من البنود الإشكالية والخلافية، التي لا يوجد قرار حكومي واضح ونهائي بشأنها، ما يعني أنّ وزير الخارجية ينتهج سياسة خارجية خاصة به، وليس كما يُقرَّر في مجلس الوزراء.
فالسياسة الخارجية لا يحدّدها وزير الخارجية، بل تُقَرّ في مجلس الوزراء مجتمعًا وفقًا للدستور، وتحديدًا المادة ٦٥ التي تقول حرفيًّا التالي:
"تناط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء. وهو السلطة التي تخضع لها القوات المسلحة، ومن الصلاحيات التي يمارسها:
1- وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات، ووضع مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية، واتخاذ القرارات اللازمة لتطبيقها.
2- السهر على تنفيذ القوانين والأنظمة، والإشراف على أعمال كل أجهزة الدولة من إدارات ومؤسسات مدنية وعسكرية وأمنية بلا استثناء.
3- تعيين موظفي الدولة وصرفهم وقبول استقالتهم وفق القانون.
4- حل مجلس النواب بطلب من رئيس الجمهورية إذا امتنع مجلس النواب، لغير أسباب قاهرة، عن الاجتماع طوال عقد عادي أو طوال عقدين استثنائيين متواليين لا تقل مدة كل منهما عن الشهر، أو في حال ردّ الموازنة برمتها بقصد شلّ يد الحكومة عن العمل. ولا تجوز ممارسة هذا الحق مرة ثانية للأسباب نفسها التي دعت إلى حل المجلس في المرة الأولى.
5- يجتمع مجلس الوزراء دوريًا في مقر خاص، ويترأس رئيس الجمهورية جلساته عندما يحضر. ويكون النصاب القانوني لانعقاده أكثرية ثلثي أعضائه، ويتخذ قراراته توافقيًا، فإذا تعذّر ذلك فبالتصويت، ويتخذ قراراته بأكثرية الحضور. أمّا المواضيع الأساسية فإنها تحتاج إلى موافقة ثلثي عدد أعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها.
ويُعتبر من المواضيع الأساسية ما يأتي: "تعديل الدستور، إعلان حالة الطوارئ وإلغاؤها، الحرب والسلم، التعبئة العامة، الاتفاقات والمعاهدات الدولية، الموازنة العامة للدولة، الخطط الإنمائية الشاملة والطويلة المدى، تعيين موظفي الفئة الأولى وما يعادلها، إعادة النظر في التقسيم الإداري، حل مجلس النواب، قانون الانتخابات، قانون الجنسية، قوانين الأحوال الشخصية، إقالة الوزراء".
انطلاقًا مما تقدّم، وعطفًا على تصريحات ومواقف الوزير رجي الأخيرة التي تبرّر العدوان الإسرائيلي على لبنان، فإن رجي يُخالف الدستور بشكل واضح، والمطلوب موقف حاسم من كلٍّ من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، كما أنّه يضع نفسه أمام مساءلة برلمانية يُفترض أن تبدأ من لجنة الشؤون الخارجية والمغتربين، وتصل إلى الهيئة العامة لمجلس النواب، ما قد يجعله خاضعًا لطرح الثقة به على خلفية هذه المواقف، ومخالفة الدستور، وسياسة الحكومة التي نالت على أساسها الثقة.

alafdal-news
