طارق ترشيشي-خاصّ الأفضل نيوز
بغض النظر عن تفعيل اللجنة الخماسية نشاطها في مختلف الاتجاهات دعما للبنان للخروج من أزماته، وبمعزل عن اتفاقها على تحديد الخامس من آذار المقبل موعدا لعقد مؤتمر دعم الجيش اللبناني في باريس، يواجه لبنان واحدة من أكثر معادلاته تعقيداً منذ إقرار وثيقة الوفاق الوطني المعروفة بـ"اتفاق الطائف": ضغوط خارجية وداخلية متزايدة لإعادة طرح ملف سلاح “حزب الله”، مقابل تمسّك الحزب وحلفائه بمعالجته ضمن إطار "استراتيجية الأمن الوطني". وهذا المشهد الماثل في ظل سلطة دستورية مأزومة وبلاد مقبلة على انتخابات نيابية يُفترض أن تعيد إنتاج التوازنات السياسية، يفرض مقاربة تتجاوز السياسة المرحلية إلى الأسس الدستورية والقانونية التي تحكم الدولة وحدود قدرتها على الحسم.
ينص الدستور اللبناني (الذي انبثق من "اتفاق الطائف")، في (الفقرة ب) من مقدمته التي هي جزء لا يتجزأ منه، على أن لبنان دولة ذات سيادة كاملة، وهو ما يُستخلص منه مبدأ حصرية القوة المسلحة بيد الدولة، كما أن المادة 49 وما يليها، عبر تحديد دور رئيس الجمهورية كرمز لوحدة الوطن، والمادة 65 التي تنيط السلطة التنفيذية بمجلس الوزراء، تؤكد أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون من صلاحيات هذه السلطة مجتمعة.
غير أن هذا الدستور لا يتضمن نصاً صريحاً ومباشراً يعالج مسألة وجود سلاح خارج إطار الدولة في حالات النزاع مع العدو الخارجي، ما فتح الباب تاريخياً لتفسيرات سياسية متباينة، خصوصاً بعد تحرير جنوب لبنان عام 2000 واستمرار التهديدات والاعتداءات الإسرائيلية.
على أن "اتفاق الطائف"، الذي أوقف الحرب الأهلية عام 1989 ويشكل المرجعية الدستورية للنظام اللبناني، نصّ صراحة على حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة، لكن هذا النص رافقه، عملياً، استثناء ضمني مرتبط بسلاح المقاومة في سياق مواجهة قوات الاحتلال الإسرائيلي آنذاك.
وبعد انسحاب إسرائيل من معظم الأراضي اللبنانية عام 2000، لم تُستكمل ترجمة "اتفاق الطائف" في هذا البند، ما أدخل البلاد في منطقة رمادية: لا شرعنة دستورية كاملة للسلاح، ولا قدرة سياسية أو أمنية على نزعه، ومنذ ذلك الحين، تحوّل الملف من مسألة قانونية إلى قضية توازن قوى.
ويُعد الجيش اللبناني، دستورياً وقانونياً، المؤسسة المخوّلة وحدها الدفاع عن السيادة وحفظ الأمن في البلاد، وتنص القوانين العسكرية والأنظمة المرعية الإجراء خضوعه للسلطة السياسية ممثلة بمجلس الوزراء. إلا أن الواقع العملي أظهر فجوة بين الشرعية النظرية والقدرة الفعلية، سواء لجهة العتاد أو الإمكانات أو القيود السياسية.
ومن هنا، تُطرح الخطط التي وضعتها قيادة الجيش وبعض أركان السلطة في إطار مقاربة تدريجية تهدف إلى تعزيز حضور الدولة الأمني وضبط السلاح غير الشرعي ضمن مسارات تفاوضية وتفادي أي صدام داخلي يهدد السلم الأهلي.
وفي المقابل، يستند “حزب الله” وحلفاؤه إلى ما ورد في البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة منذ إقرار اتفاق الطائف ودسترته، والتي دعت إلى وضع استراتيجية للدفاع الوطني أو للأمن الوطني. إلا أن هذه الاستراتيجية لم تتحول يوماً وثيقة رسمية مُقرّة بآليات تنفيذ واضحة أو بسقف زمني محدد، وقانونياً، تبقى البيانات الوزارية التزاماً سياسياً لا يرقى إلى مستوى النص الدستوري أو القانوني الملزم، ما جعل الاستراتيجية الدفاعية حتى الآن إطاراً نظرياً أكثر منه مرجعية عملية.
ولكن على المستوى الدولي، يستند الضغط على لبنان إلى قرارات مجلس الأمن الدولي ولاسيما منها القرار رقم 1559 والقرار رقم 1701، اللذان يدعوان إلى بسط سلطة الدولة اللبنانية على كل أراضيها ومنع وجود سلاح خارج إطارها، غير أن تطبيق هذه القرارات بقي انتقائياً، مرتبطاً بميزان القوى الإقليمي والدولي، لا بآليات تنفيذية صارمة. وهذا الواقع يضع الدولة اللبنانية في موقع قانوني ضعيف؛ فهي مطالبة بالالتزام بتعهداتها الدولية، لكنها تفتقر إلى القدرة الداخلية على تنفيذها من دون التعرض لمخاطر كبيرة.
وفي ظل هذا الوضع الدستوري والقانوني، يحل موسم الانتخابات النيابية كاستحقاق ديموقراطي أساسي موعده في أيار المقبل، لكنه لا يشكّل، في حد ذاته، أداة لحسم ملف السلاح. فالمجلس النيابي المقبل، حتى في حال تبدلت الموازين فيه من خلال نتائج الانتخابات، يبقى محكوماً بمنطق التوافق الطائفي وبقيود الدستور، ما يمنعه من فرض خيارات استراتيجية كبرى من دون توافق وطني شامل.
كل هذه المعطيات تقود إلى جملة استنتاجات منها أن ملف السلاح في لبنان ليس أزمة قانونية بحتة، بل أزمة تطبيق القانون في ظل اختلال ميزان القوى، وأن اتفاق الطائف والدستور يشكلان مرجعية عامة لحصرية السلاح بيد الدولة، ولكنهما يفتقران إلى آليات تنفيذ في ظل الواقع الحالي، وأن الانتخابات قد تعيد توزيع الأحجام السياسية، لكنها لن تنتج حلاً دستورياً أو قانونياً نهائياً لملف السلاح.
ولذا من المرجح أن لبنان سيبقي عالقاً بين نصوص دستورية تؤكد سيادة الدولة، وبين واقع سياسي وأمني يقيّد قدرتها على فرض هذه السيادة، ولكن مع اقتراب موعد الاستحقاق النيابي، يبدو أن البلاد تتجه إلى إدارة الخلاف ضمن الأطر الدستورية الهشة القائمة، لا إلى حسمه، وأن أي انتقال فعلي نحو معالجة مستدامة لملف السلاح سيبقى رهناً بتوافق وطني عريض، يدعمه تحوّل إقليمي ـ دولي يسمح بأن يتحوّل الدستور من مرجعية نظرية إلى سلطة فعلية.

alafdal-news



