طارق ترشيشي - خاص الأفضل نيوز
تمر الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مرحلة دقيقة تتداخل فيها التطورات الداخلية مع المتغيرات الإقليمية والدولية، في ظل حراك اجتماعي ـ سياسي متكرر من جهة، وتصاعد في التهديدات العسكرية الأميركية والإسرائيلية من جهة أخرى. وهذه المعادلة المركبة تطرح تساؤلات جدية حول الاتجاه الذي سيسلكه النظام الإيراني، وقدرته على إدارة التحديات المتزامنة من دون الانزلاق إلى اضطرابات أوسع مما يجري.
وكانت إيران شهدت خلال سنوات سابقة موجات احتجاج متعاقبة، تفاوتت في شدتها وانتشارها الجغرافي، لكنها اشتركت في كونها تعبيرًا عن تراكم أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية. فقد أدت العقوبات، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع نسب البطالة، إلى زيادة الضغوط على فئات واسعة من المجتمع.
وعلى رغم من أن هذه الاحتجاجات لا تتخذ شكل حركة موحدة ذات قيادة واضحة، فإنها تعكس حالة تململ اجتماعي متزايدة ومطالب تتجاوز الجانب الاقتصادي إلى قضايا الحريات العامة وإدارة الحكم واتساع رقعة المشاركة مقارنة بمراحل سابقة. وفي المقابل، ما زالت الدولة الإيرانية تعتمد على مزيج من الإجراءات الأمنية، والسياسات الاحتوائية، والخطاب الرسمي، للحفاظ على الاستقرار الداخلي ومنع تحول الاحتجاجات إلى أزمة سياسية شاملة.
ولقد أثبت النظام الإيراني، عبر عقود، قدرته على التعامل مع أزمات معقدة، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. وقد ساهمت مؤسسات الدولة، إضافة إلى شبكات النفوذ السياسية والأمنية، في الحفاظ على تماسك النظام رغم الضغوط المتواصلة.
إلا أن التحديات الحالية تفرض معادلات مختلفة، أبرزها استمرار الضغوط الاقتصادية وتأثيرها على التماسك الاجتماعي، وتراجع مستوى الثقة بين قطاعات من المجتمع والمؤسسات الرسمية، ونقاشات داخل النخبة السياسية حول أولويات المرحلة المقبلة، وإن بقيت هذه النقاشات ضمن أطر غير معلنة في الغالب. ويبدو أن الخيار المفضل لدى صانع القرار الإيراني هو إدارة التوترات بدل الذهاب إلى تغييرات بنيوية سريعة، في ظل اعتبارات تتعلق بالاستقرار والأمن.
أما على الصعيد الخارجي، فإن العلاقة المتوترة مع الولايات المتحدة وإسرائيل تشكل عنصر ضغط دائم على إيران، خصوصاً في ما يتعلق ببرنامجها النووي ودورها الإقليمي. فإسرائيل تكرر التحذير من تقدم البرنامج النووي الإيراني، فيما تعتمد واشنطن سياسة تجمع بين العقوبات الاقتصادية والتحركات الديبلوماسية والعسكرية.
وعلى رغم من تصاعد اللهجة، تشير المعطيات إلى أن خيار المواجهة العسكرية الشاملة لا يزال محفوفاً بتكاليف مرتفعة لجميع الأطراف، وأن أي تصعيد قد يؤدي إلى تداعيات إقليمية واسعة، تشمل أمن الطاقة والاستقرار الإقليمي، فيما التهديدات المتبادلة تُستخدم ضمن إطار الردع والضغط السياسي. ولذلك، يبقى المشهد الخارجي محكوماً بتوازن دقيق بين التصعيد الكلامي وضبط الإيقاع الميداني.
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن تصور عدد من السيناريوهات ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
ـ استمرار الوضع القائم حيث تواصل الدولة إدارة الاحتجاجات داخلياً، وتفادي التصعيد العسكري خارجياً، مع بقاء الأزمات الاقتصادية والاجتماعية دون حلول جذرية.
ـ تصاعد الضغوط الداخلية نتيجة تراكم الأزمات، ما قد يدفع إلى إعادة تقييم بعض السياسات، أو إلى التشدد في الإجراءات للحفاظ على الاستقرار.
ـ تصعيد خارجي محدود في حال تدهور التفاهمات غير المعلنة، مع السعي لاحتواء أي مواجهة ومنع توسعها.
وفي أي حال لا تبدو إيران مقبلة على تحولات حاسمة وفورية، لكنها تواجه في الوقت نفسه تحديات متداخلة تتطلب إدارة دقيقة وحسابات متوازنة. فالتفاعل بين الداخل المتحرك والخارج الضاغط يضع الدولة أمام خيارات معقدة، تتراوح بين الاستمرار في سياسات الاحتواء، أو إدخال تعديلات تدريجية على المسارات القائمة.
ويبقى أن مستقبل إيران مفتوح على احتمالات عدة، سيتحدد مسارها حسب قدرة مختلف الأطراف على تجنب التصعيد، وإدارة المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية في بيئة إقليمية ودولية حساسة جداً في هذه المرحلة.

alafdal-news



