ميرنا صابر – خاصّ الأفضل نيوز
لم تعد الأغنيّة اللبنانيّة تُولد في الاستوديو فقط، بل في مكان آخر لا تقلّ فيه الضوضاء ولا تُطفأ فيه الأضواء: على شاشة الهاتف. قبل أن يسمعها الجمهور كاملة، تكون قد خضعت لاختبار غير معلن: هل تصلح لأن تُختصر؟ هل يمكن أن تعيش في ثلاثين ثانية؟ وهل تملك ما يكفي لتصبح "ترند"؟ من هنا، بدأ التغيير الحقيقي في نوع ومضمون الأغنيّة اللبنانيّة، تغيير لا يمرّ بهدوء، ولا من دون جدل.
في زمن مضى، كانت الأغنية تُقاس بعمرها الطويل في الذاكرة. اليوم، تُقاس بسرعة انتشارها. لم يعد اللحن وحده هو الرهان، ولا الكلمة وحدها هي الفيصل، بل قدرة العمل على التكيّف مع منطق المنصّات الرقميّة التي تفرض إيقاعها الخاص. وفق معلومات فنيّة خاصة لـ"الأفضل نيوز" فـ: "باتت بعض الأغاني تُناقَش رقميًا قبل تسجيلها، حيث يُحدَّد مسبقًا المقطع الأكثر قابليّة للتداول، ويُبنى عليه الترويج، وأحيانًا العمل نفسه."
هذه التحوّلات انعكست بوضوح على طبيعة الكلمات والإيقاعات. فبحسب المصادر نفسها، تغيّرت جلسات العمل داخل الاستوديوهات، إذ لم يعد النقاش محصورًا باللحن والكلمة، بل دخلت مصطلحات جديدة إلى القاموس الفني: الخوارزميات، نسب المشاهدة، وسرعة التفاعل. هذا الواقع فرض أسلوبًا أكثر خفّة وسرعة، ينسجم مع طبيعة الاستهلاك السريع للمحتوى.
في هذا الإطار، شكّلت أغنيّة "بدنا نروق" للفنانة هيفا وهبي مثالًا بارزًا على هذا الجدل. فالأغنية، منذ إطلاقها، انتشرت بوتيرة سريعة على منصّات التواصل، مدفوعة بإيقاعها السلس وسهولة تداولها.
ووفق معطيات "الأفضل نيوز"، كان التركيز الأساسي في الترويج على المقطع الأكثر حيوية، لا على الأغنيّة كاملة، ما ساهم في تحويلها إلى مادة رائجة خلال وقت قصير،
هذا الانتشار السريع فتح باب الانقسام؛ فالداعمون رأوا في الأغنية انعكاسًا صادقًا لروح المرحلة، معتبرين أن الفن لا يمكن أن يبقى أسير القوالب القديمة، وأن الوصول إلى جمهور واسع هو جزء من تطوّر أي تجربة فنيّة.
في المقابل، عبّر الرافضون عن قلقهم من تحوّل الأغنيّة اللبنانيّة إلى منتج لحظي، يُستهلك بسرعة ويُنسى بالسرعة نفسها، ما قد يهدّد عمق الهوية الموسيقية على المدى الطويل.
اللافت، بحسب ما تنقله مصادر فنيّة لـ"الأفضل نيوز"، أن هذا الانقسام لا يقتصر على الجمهور، بل يمتدّ إلى داخل الوسط الفني نفسه؛ ففي كواليس مغلقة، يقرّ بعض الفنانين المنفتحين على التجديد بأن الخوارزميات باتت لاعبًا خفيًا يفرض شروطه، ويعيد رسم العلاقة بين الفنان والعمل والجمهور.
بين موجة الانتشار السريع وحنين الذاكرة الطويلة، تقف الأغنيّة اللبنانيّة اليوم على مفترق طرق. ليست المشكلة في التجديد، ولا في الخفّة، بل في القدرة على إيجاد توازن لا يُفرّغ الفن من مضمونه ولا يعزله عن زمنه؛ ففي نهاية المطاف، تبقى الأغنية مرآة مجتمعها: تتبدّل أشكالها، تتغيّر لغتها، لكن قيمتها الحقيقيّة تُقاس بما تتركه بعد أن ينتهي "الترند" وتُطفأ الشاشة.

alafdal-news
