محمد علوش - خاص الأفضل نيوز
يأتي الحديث عن مبادرة قطرية لتمويل إعادة نحو 400 ألف نازح سوري من لبنان إلى بلادهم، ليكشف عن تحوّلٍ في مقاربة ملف النزوح، من كونه ورقة ضغط على لبنان إلى كونه مدخلاً لإعادة ترتيب العلاقة بين لبنان وسوريا والمنطقة الأوسع، وتحديدًا العالم العربي، بسبب ما تكشفه مصادر متابعة عن أن هذه الخطوة القطرية تحظى بغطاء سياسي متوافق عليه مع السعودية والولايات المتحدة وسوريا.
لأكثر من عقد، تعامل المجتمع الدولي مع ملف النازحين السوريين في لبنان باعتباره مسألة سياسية معزولة عن سياقها الإنساني، فكان يُستخدم الملف كأداة ضغط على الدولة السورية، وكوسيلة لإبقاء لبنان في حالة إنهاك ديموغرافي واقتصادي وأمني.
لم تكن العودة أولوية، بل كان تثبيت النزوح هو القاعدة غير المعلنة، تحت عناوين "عدم توافر شروط العودة الآمنة" و"غياب الحل السياسي"، فيما تُرك لبنان شبه وحيد في مواجهة تبعات هذا العبء الهائل على مجتمعه واقتصاده وأمنه.
اليوم، يبدو أن شيئًا ما يتغيّر، وهو ليس بالضرورة بدافع الحرص على لبنان حصرًا، ولا اقتناعًا بحق النازحين بالعودة، بل نتيجة تبدّل موازين القوى الإقليمية، واستنزاف الخيارات السابقة، وما تشهده سوريا مؤخرًا، وعودتها التدريجية إلى المشهد العربي.
في هذا السياق، لا يمكن فصل الدور القطري عن موقعه التقليدي كوسيط بين المتناقضات، ولا عن التنسيق مع واشنطن والرياض، ولا عن الانفتاح على دمشق.
للمرة الأولى، يُطرَح حل عملي يربط بين العودة وبين إعادة الإعمار المحدودة في مناطق محددة بسوريا، أي معالجة أحد الأسباب الأساسية التي كانت تُستخدم لتبرير بقاء النازحين خارج بلادهم. تُشير المصادر عبر "الأفضل" إلى أن الدعم القطري سيتضمن إعمارًا لمناطق في سوريا، وترميم بلدات، وتقديم مساعدات تدفع بالنازحين إلى العودة، وهذا شرط أساسي للعودة، حيث كانت المساعدات تُمنح سابقًا من أجل بقاء النازحين في لبنان.
لكن الأهم من كل ذلك هو ما يعنيه هذا التطور بالنسبة إلى لبنان، إذ ترى المصادر أن ملف النزوح لم يعد يحتمل المعالجات الخطابية ولا المزايدات السياسية، ولا داعي لكثرة الكلام حول كيفية تحوّله إلى خطر بنيوي يهدد التركيبة الاجتماعية، ويضغط على الاقتصاد المنهار، ويخلق احتكاكات يومية تنذر بانفجارات اجتماعية وأمنية، فالكل بات مقتنعًا بذلك، وبالتالي فإن أي معالجة هي أمر ممتاز.
من هنا، تعتبر المصادر أن أي مبادرة جدية لإعادة أعداد كبيرة من النازحين، إذا نُفّذت فعليًا، تشكّل مصلحة لبنانية مباشرة، بغضّ النظر عن الجهات الراعية لها. لكن هذه المصلحة لا تتحقق تلقائيًا، بل تتطلب موقفًا لبنانيًا واضحًا وموحّدًا، يتعامل مع الملف كقضية سيادية، ويعيد تنظيم العلاقة مع الدولة السورية لتحقيق المصالح اللبنانية، وعدم الاكتفاء بانتظار المبادرات التي تأتي من الخارج.
العلاقة بين لبنان وسوريا في هذا الملف ليست خيارًا سياسيًا يمكن الهروب منه، بل حقيقة جغرافية وتاريخية وديموغرافية، لأن أي عملية عودة واسعة لا يمكن أن تنجح من دون تنسيق مباشر مع دمشق. في المقابل، لا يخلو المشهد من أسئلة مشروعة، على سبيل: هل نحن أمام عودة فعلية ومستدامة، أم أمام عملية جزئية تُستخدم لتخفيف الضغط مؤقتًا؟ هل تشمل العودة الفئات الأكثر فقرًا فقط، أم تمتد لتشمل شريحة واسعة؟
والأهم: هل سيُستكمل المسار بتعاون كامل بين الأطراف المعنية به؟
تُشير المصادر إلى أن الأخطر هو أن يُستخدم هذا الملف مرة جديدة كورقة تفاوض إقليمية، حيث تُنفَّذ العودة بجرعات محسوبة تخدم مصالح الدول الراعية أكثر مما تخدم مصلحة لبنان أو النازحين أنفسهم.
في المحصلة، ما يُطرَح اليوم يشكّل تحوّلًا سياسيًّا له ما بعده، فملف النزوح السوري، الذي شكّل لسنوات طويلة أحد أدوات تفكيك الدولة اللبنانية واستنزافها، قد يتحوّل، إذا أُحسن التعامل معه، إلى مدخل لإعادة تصويب العلاقة بين لبنان وسوريا، انطلاقًا من المصالح المشتركة.

alafdal-news
