ميرنا صابر – خاص "الأفضل نيوز"
في خطوةٍ أثارت ضجّةً غير مسبوقة داخل الأوساط الرياضيّة والسياسيّة في لبنان، حصل رئيسُ الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو على الجنسيّة اللبنانية بقرارٍ استثنائي من رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، بعد زيارةٍ وُصفت بـ"التاريخية" إلى بيروت، أعلن خلالها عن نيّته تقديم ملعبٍ دوليّ حديث للبنان يحمل توقيع "فيفا" ويطابق أعلى المعايير العالميّة. غير أنّ خلف هذا الخبر البراق، تتكشّف معلوماتٌ خاصة وحساباتٌ معقّدة تضع هذه المبادرة في خانةٍ أوسع بكثير من مجرّد "لفتة تكريميّة"، وفق ما كشفت مصادر مطّلعة لـ"الأفضل نيوز".
تقول مصادر خاصة من داخل الاتحاد اللبناني لكرة القدم إنّ قرار منح الجنسيّة لم يكن وليدَ لحظةٍ أو "تكريمًا عاطفيًا"، بل نتيجة نقاشات بدأت منذ أشهر في كواليس الاتحاد، حين جرى التواصل مع "فيفا" لطلب دعمٍ مباشر لتطوير البنية التحتيّة الرياضيّة في لبنان. في ذلك الوقت، واجه الاتحاد عقبةً أساسية: لبنان يفتقر إلى ملعبٍ واحد يستوفي الشروط الدوليّة الكاملة لاستضافة مباريات تصفيات كأس العالم أو البطولات الآسيويّة، وهو ما جعل أيّ طلبٍ للتمويل غير قابلٍ للموافقة الرسميّة من "فيفا". من هنا، وُلدت الفكرة: "ماذا لو جعلنا إنفانتينو جزءًا من المشهد اللبناني نفسه؟".
أضاف المصدر في حديثه لـ"الأفضل نيوز" أنّ: "الأمر كان بمثابة خطوةٍ ذكيّة لإدخال لبنان من الباب العريض إلى أجندة الدعم الدولي، عبر تحويل رئيس (فيفا) إلى مواطنٍ لبناني يُمكنه الدفاع عن المشروع شخصيًا داخل المؤسسة".
في المقابل، تؤكّد مصادر ميدانيّة لـ"الأفضل نيوز" أنّ: "الحديث عن ملعب الأحلام لم يبقَ في إطار الكلام. فخلال الزيارة الأخيرة لإنفانتينو، وُضعت فعلًا دراساتٌ أوليّة لموقعٍ محتمل في العاصمة بيروت، وتحديدًا في منطقةٍ جرى التكتّم عن اسمها إلى حين استكمال الاتصالات مع بلديةٍ كبرى تملك أرضًا تابعة للدولة وقابلة للاستثمار الرياضي. المعلومة التي حصلنا عليها تؤكّد أنّ المهندسين الذين رافقوا الوفد الدولي أجرَوا معاينةً ميدانية سريعة لأربعة مواقع محتملة، أحدها قريبٌ من طريق المطار، والثاني ضمن نطاق المتن الساحلي، والثالث في الشمال، فيما جرى استبعاد الرابع لأسبابٍ لوجستيّة".
أمّا عن طبيعة المشروع، فتشير بعض الوثائق الداخلية إلى أنّ الملعب المقترح سيكون بسعةٍ تتراوح بين 25 و30 ألف متفرّج، بتصميمٍ قابلٍ للتوسعة، وأنّ التمويل سيغطيه "صندوق تطوير البنى التحتية الرياضية" التابع لـ"فيفا"، على أن تتكفّل الدولة اللبنانية بتأمين الأرض فقط، من دون أيّ مساهمة ماليّة مباشرة. ومن بين التفاصيل التي لم تُعلَن بعد، اقتراح إقامة "مركز تدريب إقليمي" داخل الملعب، مخصّص لتطوير الكوادر اللبنانيّة في التحكيم والإدارة الرياضيّة، بإشراف خبراء من الاتحاد الدولي.
لكنّ المسألة لم تمرّ بهدوء. فبينما احتفى البعض بالخطوة معتبرينها بارقة أملٍ في بلدٍ أنهكته الأزمات، تفجّرت موجةٌ من الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرةً أنّ منح الجنسية لإنفانتينو بهذه السرعة يسلّط الضوء مجدّدًا على ازدواجية المعايير في لبنان، حيث تُمنح الجنسية بسهولةٍ لشخصيّة نافذة، في حين تُحرَم آلافُ النساء اللبنانيات من منح جنسيتهنّ لأولادهن. هذا التناقض دفع عددًا من الناشطين الحقوقيين إلى وصف الحدث بـ"التجنيس الانتقائي الفاخر"، في بلدٍ يتعامل مع الجنسية كامتياز سياسيّ لا كحقٍّ مدني.
ومع ذلك، يرى مراقبون أنّ الدولة اللبنانية نجحت، ولو مؤقّتًا، في تحويل ملف التجنيس إلى أداة "دبلوماسية رياضية" أكثر من كونه قرارًا شخصيًا. فلبنان، الذي غاب عن خرائط الملاعب الكبرى لعقود، يحاول عبر هذا الانفتاح أن يستعيد موقعه على الخريطة الدوليّة لكرة القدم، في زمنٍ لا يملك فيه ما يقدّمه سوى رمزيّته. فوجود ملعبٍ بمعايير "فيفا" يعني أنّ المنتخب اللبناني لن يضطرّ بعد اليوم إلى اللعب في الخارج، وأنّ الملاعب المتهالكة التي شهدت مباريات الدوري المحلي قد تجد نفسها مضطرةً إلى النهوض لتواكب المرحلة الجديدة.
أحد المسؤولين الرياضيين البارزين قال في حديثٍ خاص لـ"الأفضل نيوز" إنّ: "الملف أكبر من كرة قدم… هناك أبعادٌ سياسيّة واقتصاديّة غير مُعلَنة. الحديث لا يقتصر على ملعبٍ فقط، بل على شبكة علاقاتٍ استثمارية محتملة، منها شركات تطوير، وإعلانات، وحقوق بثّ، واستقدام دورات تدريبية عالميّة للبنان". وأضاف: "في الكواليس، يُتداول أنّ المشروع قد يكون مدخلًا لإنشاء صندوق دعمٍ رياضي بإدارة مشتركة لبنانية–دولية، يتولّى إنفانتينو رئاسته الفخريّة، وهو ما سيمنح لبنان للمرة الأولى نافذة تمويلٍ مستقلة عن الدولة".
رغم ذلك، لا يزال الغموض يلفّ نقطةً أساسية: أين سيكون هذا الملعب؟ ومتى يبدأ التنفيذ؟ فحتى الآن، لم يُوقَّع أيّ عقدٍ رسمي بين "فيفا" والدولة اللبنانية، ما يجعل كلّ ما قيل حتى الساعة أقرب إلى وعدٍ مشروط بظروفٍ سياسيّة وإدارية. أحد العاملين داخل الاتحاد اللبناني أكّد أنّ الأرض هي العقدة الكبرى، موضحًا أنّ اختيار الموقع سيحدّد ما إذا كان المشروع سيتحوّل إلى رمزٍ وطني أو مجرّد خبرٍ عابر.
ما بين جنسيةٍ مُنحت بقرارٍ سريع وملعبٍ ما زال قيد الخيال، يجد لبنان نفسه أمام لحظةٍ نادرة تجمع بين الحلم والجدل. فالمعادلة تبدو بسيطةً في ظاهرها: إنفانتينو صار لبنانيًا، ولبنان سيحصل على ملعبٍ بمعايير "فيفا". لكنّ خلف هذه الصورة اللامعة تكمن حساباتٌ أعمق: دولةٌ تبحث عن شرعيةٍ رمزية في زمن الانهيار، واتحادٌ دوليّ يسعى إلى ترك بصمةٍ في منطقةٍ عطشى لأيّ إنجاز. وحده الوقت كفيلٌ بكشف ما إذا كان هذا "الملعب" سيُبنى فعلًا على أرضٍ لبنانية… أم سيبقى مجرّد "ملعبٍ في الوعود"، يُضاف إلى سجلٍّ طويل من المشاريع التي وُلدت في العناوين واختفت في الكواليس.

alafdal-news



