عبد الناصر طه – خاصّ الأفضل نيوز
منذ إطلاق Facebook عام 2004، تغيّرت طريقة تواصل البشر جذريًا. صار لكلّ فرد منبره، ولكلّ رأي جمهوره. وهذه في أصلها نعمة ديمقراطية كبرى، إذ أتاحت للناس التعبير الحرّ وكسر احتكار المنابر التقليدية. غير أنّ هذه النعمة قد تنقلب عبئًا حين يغيب الوعي وتضعف المسؤولية.
المشكلة لا تكمن في حرية التعبير ذاتها، بل في سوء استخدامها. حين تُطرح القضايا الدينية أو العلمية أو السياسية بلا أدوات فهم حقيقية، يتحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة ضجيج، ويغدو الرأي حقيقةً مطلقة، وعدد الإعجابات معيارًا للصواب، والانفعال بديلًا عن البرهان. وليس المقصود بذلك إقصاء الناس عن النقاش، بل التنبيه إلى ضرورة احترام الاختصاص والوعي بحدود المعرفة الشخصية.
وتزداد الخطورة حين يتصدّر المشهد أنصاف المثقفين؛ يستشهد بعضهم بآيات من القرآن الكريم خارج سياقها، أو يوظّف النصّ المقدّس لتبرير موقف شخصي أو خصومة عابرة. فيُختزل الدين في منشور سريع، وتُستعمل القداسة أداة جدل بدل أن تبقى منارة هداية. والنصّ القرآني له علومه وسياقاته ومقاصده، وليس مادة للاجتزاء أو للتوظيف في معارك افتراضية عابرة.
غير أنّ ثمة بُعدًا آخر أكثر حساسية، يظهر بوضوح في خصومات بعض البيئات الريفية، حين تنتقل روح العصبية والقبلية من الأرض إلى الشاشة. خلاف بسيط بين عائلتين، أو نقاش حول شأن بلدي، يتحوّل على الفيسبوك إلى معركة هوية. تُستحضر الألقاب، وتُنبش الحساسيات القديمة، ويُستثار تاريخ الانقسامات، بدل أن يكون النقاش حول الفكرة ذاتها. وهنا تتكرّس الشخصنة، فيغيب الموضوع ويحضر الانتماء.
ومن هذه الثغرة تتسلّل العنصرية بأشكالها المختلفة: تعميمات جارحة، تصنيفات مناطقية، استعلاء عائلي، أو تحقير لفئة اجتماعية. ومع سهولة النشر وسرعة الانتشار، تصبح الكلمة الجارحة أسرع وصولًا من صوت الحكمة. وما كان يُقال همسًا في مجلس ضيّق، يُقال اليوم علنًا أمام مئات أو آلاف المتابعين، فيتحوّل خلاف محدود إلى شرخ اجتماعي أوسع.
إن استشعار الخطر في هذا المسار ليس ذا بُعد أخلاقي فحسب، بل مجتمعي أيضًا؛ فالمجتمعات الريفية تقوم تاريخيًا على روابط القربى والتكافل، وإذا تحوّلت المنصّة إلى ساحة تأجيج للعصبيات، فإنها تُضعف النسيج الذي يحفظ السلم الأهلي، وحين يُلبَس التعصّب لبوس الدين أو الشرف أو الكرامة، يصبح أكثر قابلية للانتشار وأشدّ أثرًا في الوعي الجمعي.
الفيسبوك لا يخلق العنصرية ولا القبلية، لكنه يوفّر لها مكبّر صوت. خوارزمياته تكافئ الإثارة، والناس بطبعهم ينجذبون إلى الخطاب الحادّ. وهكذا تتشكّل دوائر مغلقة تعزّز التعصّب بدل أن تراجعه، والمعالجة لا تكون بإسكات الناس، بل بترسيخ ثقافة المسؤولية الرقمية:
أن نفرّق بين الرأي والتحريض،
وبين النقد والتجريح،
وبين الدفاع عن الكرامة وإهانة الآخرين.
وأن ندرك أنّ الكلمة على وسائل التواصل ليست عابرة؛ فهي قد تبني جسورًا من التفاهم، أو تحرق قرى بأكملها معنويًا.
في النهاية، المنصّة مرآة لوعينا. فإن حملنا إليها عقلًا ناقدًا وقلبًا منصفًا، كانت وسيلة تواصل وبناء. وإن حملنا إليها جهلًا وعصبية، صارت ساحة نزاع دائم. والسؤال الحقيقي ليس: كيف نُسكت الآخرين؟ بل كيف نُهذّب أنفسنا قبل أن نضغط زر «نشر».

