د. علي دربج - خاصّ الأفضل نيوز
للمرة الأولى منذ سنوات، قد لا يأتي أخطر تهديد لرئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو من اليسار أو من أزمة داخل ائتلافه، بل من جنرال خرج من قلب المؤسسة العسكرية ويحمل سيرة يصعب على اليمين تجاهلها، إنه غادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق وابن مهاجرين مغربيين من الطبقة العاملة، الذي يتقدم اليوم في استطلاعات الرأي بوصفه المنافس الأبرز لرئاسة الحكومة.
لكن مهلاً، فالمعركة أعمق من منافسة انتخابية بين رجلين. إذ لم تعرف إسرائيل يومًا رئيس حكومة غير أشكنازي، فيما ينتمي آيزنكوت إلى المزراحيين، أي اليهود المتحدرين من البلدان العربية والإسلامية، الذين شكلوا تاريخيًا إحدى القواعد الشعبية المهمة لليكود.
جنرال من الهامش
في الواقع، تكتسب سيرة آيزنكوت دلالة سياسية خاصة. فقد بدأ من لواء غولاني بارتكاب العديد من المجازر وجرائم الحرب، ثم وصل إلى قيادة المنطقة الشمالية فرئاسة الأركان. كما أن نتنياهو كان عرض عليه (على ذمة بعض التقارير الإسرائيلية) قيادة الجيش عام 2011، لكنه رفض لمصلحة بيني غانتس، قبل أن يصبح لاحقًا نائبًا له ثم خليفته.
ليس هذا فحسب، تكشف عقيدة آيزنكوت العسكرية جانبًا آخر من شخصيته، حيث كان من رواد "عقيدة الضاحية"، القائمة على استخدام قوة هائلة ضد المناطق المدنية لبيئة "حزب الله"، وساهم أيضًا في تطوير استراتيجية "المعركة بين الحروب"، أي تنفيذ عمليات مستمرة منخفضة الحدة لردع الخصوم أو إضعافهم.
غزة قلبت المشهد
ضع في اعتبارك أن المسار العسكري وحده لا يفسر صعوده؛ فقد دخل آيزنكوت السياسة إلى جانب غانتس، ثم جاء 7 تشرين الأول/أكتوبر ليغيّر مساره، فانضم على إثرها إلى مجلس الحرب، وبعد أسابيع قُتل ابنه غال داخل نفق في غزة خلال مهمة لاستعادة جثامين الأسرى الإسرائيليين.
أكثر من ذلك، تصاعد خلافه مع إدارة الحرب، فاستقال مع غانتس متهمًا نتنياهو بالسماح لـ"اعتبارات خارجية والسياسة" بالتدخل فيها. ثم انفصل لاحقًا عن غانتس وأطلق حزب "ياشار"، الذي يتصدر الآن استطلاعات الرأي.
اليمين أمام معضلة
عمليًا، ثمة مفارقة لافتة تظلّل المشهد السياسي والانتخابي الحالي في إسرائيل. فمن المعروف أن آيزنكوت يؤيد تجنيد الحريديم، ومع ذلك لم تغلق الأحزاب الدينية الباب أمام التحالف معه. أما فلسطينيًا، فيعارض ضم الضفة، ويرفض حاليًا مناقشة حل الدولتين، ويدعو إلى إدارة فلسطينية لغزة من دون حماس.
زد على ذلك، أن قوته الانتخابية تستند إلى تركيبة يصعب على خصومه تفكيكها: مزراحي، ابن طبقة عاملة، جنرال أمني، أب فقد ابنه، وشخصية تقدم نفسها بوصفها مناهضة للفساد.
معركة البقاء "لبيبي"
عمليًا، تمثل هذه الانتخابات معركة وجود سياسي لنتنياهو. فالرجل سيبلغ 77 عامًا يوم انتخابات 27 تشرين الأول/أكتوبر، فضلًا عن أنه يحمل جهازًا لتنظيم ضربات القلب، كما خضع، سرًا، لعلاج من سرطان البروستاتا العام الماضي، لذلك لا يخوض نتنياهو سباقًا انتخابيًا عاديًا هذه المرة، بل واحدة من أكثر معارك البقاء حساسية في مسيرته السياسية.
الأكثر أهمية، أن استطلاعات الأسابيع الأخيرة مالت قليلًا لمصلحة آيزنكوت، ولعل نائب الليكود دافيد بيتان اختصر حجم القلق عندما قال إن الرجل "ينتمي إلى عائلة ثكلى، وهو مغربي أيضًا".
في المحصلة
إذا نجح آيزنكوت في تحويل هذه السيرة إلى أصوات، ثم الأصوات إلى ائتلاف، فقد لا تكون انتخابات تشرين الأول مجرد نهاية محتملة لعصر نتنياهو. بل لحظة تكسر للمرة الأولى احتكار الأشكناز لرئاسة الحكومة الإسرائيلية.

