إلياس المر - خاص "الأفضل نيوز"
ليس من السهل قراءة التطور المتسارع في العلاقات الدفاعية بين السعودية وتركيا وباكستان باعتباره مجرد اتفاق عسكري جديد، أو وضعه مباشرة في إطار ما بات يُسمّى إعلامياً بـ«الناتو الإسلامي». فالمسألة تبدو أعمق من ذلك بكثير، لأنها تأتي في لحظة يشهد فيها غرب آسيا إعادة صياغة واسعة لموازين القوة، وتراجعاً في قدرة الترتيبات الأمنية التقليدية على احتواء الأزمات، وتصاعداً في حاجة الدول الإقليمية إلى امتلاك أدوات ردع خاصة بها.
ما يجمع السعودية وتركيا وباكستان ليس مجرد الدين أو التقارب السياسي، بل مزيج نادر من عناصر القوة. السعودية تمتلك الثقل المالي والاقتصادي والطاقة والموقع الجغرافي والمكانة السياسية والدينية، وتركيا تمتلك جيشاً كبيراً وخبرة عسكرية وصناعة دفاعية متطورة وموقعاً استراتيجياً يصل بين آسيا وأوروبا وغرب آسيا، بينما تضيف باكستان قوة عسكرية كبيرة وعمقاً استراتيجياً وقدرات نووية. وعندما تجتمع هذه العناصر الثلاثة في إطار دفاعي واحد، فإن الرسالة تتجاوز حدود الدول الثلاث لتصل إلى النظام الإقليمي بأكمله.
لكن الخطأ الأكبر في قراءة هذا التحول هو اختزاله في أنه تحالف موجّه ضد إيران. صحيح أن إيران تمثل أحد عناصر الحسابات الأمنية في المنطقة، وأن التنافس بينها وبين عدد من القوى الإقليمية لم ينتهِ، إلا أن الصورة أكثر تعقيداً من ذلك.
فالسعودية نفسها اختارت في السنوات الماضية مسار الحوار وخفض التصعيد مع طهران، وباكستان، بحكم الجغرافيا والمصالح، لا تستطيع النظر إلى إيران باعتبارها عدواً دائماً، بينما تتعامل تركيا مع طهران بمنطق يجمع بين المنافسة والتعاون في آن واحد.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل هذا التحالف ضد إيران؟ بل: لماذا تشعر ثلاث دول بهذه الأهمية والحجم بالحاجة إلى بناء قدرة دفاعية مشتركة في هذا التوقيت تحديداً؟
الجواب يرتبط بالتحول الأوسع في البيئة الأمنية لغرب آسيا. فقد أثبتت السنوات الأخيرة أن المنطقة لم تعد تعيش تحت تهديد واحد، بل أمام منظومة متشابكة من المخاطر: صواريخ وطائرات مسيّرة، حروب بالوكالة، ضربات عابرة للحدود، تهديدات للممرات البحرية ومنشآت الطاقة، إضافة إلى احتمال اندلاع حروب واسعة نتيجة سوء تقدير أو حسابات خاطئة.
وفي مثل هذه البيئة، يصبح امتلاك القدرة على الردع ضرورة سياسية بقدر ما هو ضرورة عسكرية. والردع، في جوهره، لا يعني الرغبة في الحرب؛ بل يعني امتلاك القوة التي تجعل الحرب خياراً مكلفاً بالنسبة إلى الطرف الآخر.
من هنا يمكن فهم التعاون السعودي– التركي– الباكستاني باعتباره محاولة للانتقال من مرحلة الاعتماد الكامل على القوى الخارجية إلى مرحلة تستطيع فيها القوى الإقليمية أن تشارك بنفسها في إنتاج الأمن.
وهذا لا يعني أن السعودية تريد التخلي عن الولايات المتحدة، أو أن تركيا تريد الخروج من حلف شمال الأطلسي، أو أن باكستان تريد الانفصال عن شركائها الدوليين. على العكس، يبدو أن الاتجاه الجديد يقوم على تنويع الشراكات وليس استبدال شريك بآخر. فالرياض تريد أن تكون لديها خيارات أكثر، وأنقرة تريد توسيع هامش حركتها، وإسلام آباد تريد تعزيز موقعها في منظومة العلاقات الإسلامية والدولية.
وهنا تحديداً تظهر أهمية تركيا. فهي الدولة التي تستطيع أن تلعب دور الجسر بين منظومتين مختلفتين: الغرب من جهة، والعالم الإسلامي والشرق من جهة أخرى. كما أن تطور صناعتها الدفاعية يجعلها أكثر من مجرد شريك عسكري؛ فهي قادرة على أن تصبح مركزاً للتكنولوجيا والتصنيع والتدريب داخل أي منظومة دفاعية إقليمية ناشئة.
وإذا انتقل التعاون من مجرد اتفاق سياسي إلى مشاريع إنتاج عسكري مشتركة، وتبادل للمعلومات والخبرات، وتطوير للدفاع الجوي والصاروخي، ومناورات عسكرية منتظمة، فإن المسألة ستأخذ بعداً مختلفاً تماماً. عندها لن يكون الحديث عن تحالف سياسي عابر، بل عن بداية بناء قدرة إقليمية مستقلة نسبياً عن منظومات التسليح والحماية الخارجية.
أما باكستان، فتمنح هذا الترتيب بعداً استراتيجياً مختلفاً. فهي قوة عسكرية كبيرة وتمتلك سلاحاً نووياً، وإن كان من الخطأ افتراض أن وجودها في أي ترتيبات دفاعية يعني تلقائياً انتقال مظلتها النووية إلى الشركاء. فالقرار النووي الباكستاني مرتبط بعقيدتها الأمنية ومصالحها الوطنية، ولا يمكن فصله عن حساباتها مع الهند والبيئة الدولية المحيطة بها.
لكن مجرد وجود دولة نووية داخل منظومة تعاون دفاعي يمنحها وزناً ردعياً وسياسياً أكبر، ويجعل الأطراف الأخرى أكثر حذراً في حسابات التصعيد.
وفي المقابل، تبدو السعودية الطرف الذي يمنح هذا التعاون القدرة على التحول من ترتيب عسكري إلى مشروع سياسي واقتصادي طويل المدى. فالمملكة لا تمتلك الموارد فقط، وإنما تمتلك أيضاً القدرة على تمويل مشاريع دفاعية وتكنولوجية كبرى، وربطها بمشاريع التنمية والصناعة والطاقة والنقل. وإذا تداخل الأمن مع الاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا، فإن التحالف يصبح أكثر قابلية للاستمرار.
لكن ثمة متغيراً آخر لا يمكن تجاهله عند قراءة هذه المعادلة، وهو إسرائيل.
فغرب آسيا شهد خلال السنوات الأخيرة توسعاً واضحاً في استخدام القوة العسكرية الإسرائيلية خارج الحدود التقليدية للصراع، بالتوازي مع استمرار التفوق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي. وهذا التطور يخلق لدى دول المنطقة سؤالاً استراتيجياً جديداً: ماذا يحدث إذا تحولت القوة العسكرية لطرف واحد إلى قدرة على فرض وقائع سياسية وأمنية على بقية الإقليم؟
هنا يمكن أن يصبح التعاون السعودي– التركي– الباكستاني جزءاً من معادلة توازن أوسع.
ليس بالضرورة باعتباره تحالفاً معلناً ضد إسرائيل،
وليس بالضرورة باعتباره مشروعاً لحرب معها، وإنما باعتباره محاولة لخلق بيئة لا تستطيع فيها أي قوة، مهما كان تفوقها، أن تفترض أن استخدامها للقوة لن تكون له تكلفة إقليمية.
وهذه النقطة جوهرية في فهم مفهوم الردع. فالتوازن لا يعني أن تكون الدول متساوية في القوة، وإنما يعني أن تكون كلفة استخدام القوة مرتفعة بما يكفي لمنع تحويل التفوق العسكري إلى هيمنة سياسية.
ومن هذه الزاوية، فإن الترتيب الجديد قد يكون موجهاً بصورة غير مباشرة إلى كل القوى التي يمكن أن تحاول فرض معادلة أحادية الجانب، سواء كانت إيران أو إسرائيل أو غيرهما. وهذا تحديداً ما يجعله مختلفاً عن التحالفات التقليدية التي تقوم على تحديد عدو واضح.
قد تكون المفارقة أن بناء قوة ردع إقليمية قادرة على مواجهة التهديدات المختلفة يمكن أن يؤدي، إذا أُديرت بصورة حكيمة، إلى خفض احتمالات الحرب بدلاً من زيادتها.
وهنا أيضاً تأتي إيران.
فإذا قرأت طهران هذا الترتيب باعتباره جبهة عسكرية سنية مغلقة ضدها، فقد تتجه إلى مزيد من التحصين العسكري وبناء التحالفات المضادة، وبالتالي تدخل المنطقة في دورة جديدة من سباق المحاور.
أما إذا قُدّم الترتيب باعتباره منظومة دفاعية هدفها تحقيق التوازن وليس الحرب، فقد تكون النتيجة مختلفة. فقد يؤدي وجود توازن أكثر وضوحاً إلى جعل الحوار أكثر واقعية، لأن كل طرف سيعرف أن محاولة فرض إرادته بالقوة ستكون مكلفة.
وبمعنى آخر، لا ينبغي أن يكون الهدف من بناء القوة هو إلغاء الحوار، بل جعل الحوار أكثر توازناً.
وهذا يقودنا إلى السؤال الأكبر المتعلق بالولايات المتحدة.
هل يعني ظهور هذا الترتيب أن النفوذ الأمريكي في غرب آسيا يتراجع؟
ليس بالضرورة. الأصح أن المنطقة قد تنتقل تدريجياً من مرحلة كان فيها الأمن يعتمد بدرجة كبيرة على قوة خارجية واحدة، إلى مرحلة يصبح فيها الأمن موزعاً بين عدة مراكز قوة. ستبقى الولايات المتحدة لاعباً رئيسياً، لكنها لن تكون بالضرورة اللاعب الوحيد القادر على إنتاج الأمن أو تحديد قواعده.
وهذا التحول قد يكون واحداً من أهم ملامح غرب آسيا في السنوات المقبلة.
فبدلاً من غرب آسيا تهيمن فيه قوة واحدة، يمكن أن يظهر غرب آسيا متعدد الأقطاب، تتنافس فيه السعودية وتركيا وإيران وإسرائيل ومصر، وتتداخل مع هذه القوى الولايات المتحدة والصين وروسيا وقوى دولية أخرى.
وفي مثل هذا النظام، لن يكون السؤال من يملك القوة الأكبر فقط، بل من يستطيع بناء شبكة العلاقات والتحالفات التي تمنع الآخرين من فرض إرادتهم.
وهنا تصبح السعودية –تركيا – باكستان أكثر من مجرد ثلاث دول متعاونة. فقد تكون نواة لكتلة استراتيجية جديدة إذا تمكنت من بناء مؤسسات وآليات دائمة للتعاون.
لكن الطريق أمامها ليس سهلاً.
فالدول الثلاث ليست متطابقة في مصالحها ولا في أولوياتها. السعودية تريد الاستقرار وحماية التنمية وتقليل مخاطر الحرب، وتركيا تريد تعزيز استقلال قرارها ونفوذها الإقليمي، بينما تظل باكستان معنية بدرجة كبيرة بتوازناتها مع الهند وأمنها في جنوب آسيا.
كما أن بناء تحالف دفاعي حقيقي يحتاج إلى أكثر من البيانات السياسية. إنه يحتاج إلى عقيدة مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيق استخباري، ومناورات، وتكامل في أنظمة الدفاع، وربما إلى تصنيع عسكري مشترك. وهذه كلها عمليات تحتاج إلى وقت وثقة وإرادة سياسية مستمرة.
لذلك فإن تسمية هذا الترتيب منذ الآن بـ«الناتو الإسلامي» قد تكون مبالغة إذا أُخذت بالمعنى المؤسسي والعسكري الدقيق. لكن التسمية تصبح ذات دلالة إذا استُخدمت للتعبير عن الاتجاه السياسي الأوسع: أي محاولة بناء منظومة أمنية إقليمية لا تعتمد بالكامل على القوى الخارجية.
وفي نهاية المطاف، قد لا يكون أهم ما في هذا التحالف هو عدد الطائرات أو الصواريخ أو حجم الجيوش التي يمكن أن يجمعها، بل الرسالة السياسية التي يحملها.
هذه الرسالة تقول إن دولاً رئيسية في العالم الإسلامي بدأت تنظر إلى أمنها باعتباره مسؤولية لا يمكن تركها بالكامل للآخرين.
وتقول أيضاً إن غرب آسيا يدخل مرحلة جديدة لم يعد فيها من السهل على أي قوة أن تفترض أن بإمكانها إعادة تشكيل المنطقة منفردة.
ومن هنا، فإن الترتيب السعودي–التركي– الباكستاني لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره إعلاناً لحرب جديدة، ولا باعتباره جبهة مغلقة ضد إيران، بل باعتباره محاولة لإعادة بناء ميزان القوى في منطقة فقدت طويلاً توازنها.
والتحدي الحقيقي أمام هذا المشروع هو أن يحافظ على معادلة دقيقة: قوة تكفي للردع، ودبلوماسية تكفي لمنع الانفجار.
فإذا تحول إلى محور عسكري مغلق في مواجهة إيران أو إسرائيل، فقد يصبح جزءاً من مشكلة الاستقطاب التي تعاني منها المنطقة.
أما إذا نجح في أن يكون إطاراً للتوازن والردع، مع إبقاء أبواب الحوار مفتوحة، فقد يكون أحد أهم المؤشرات على ولادة نظام أمني جديد في غرب آسيا؛ نظام لا يقوم على هيمنة طرف واحد، ولا على إلغاء طرف آخر، وإنما على قاعدة أكثر واقعية: لا استقرار من دون توازن، ولا توازن مستدام من دون حوار.
وفي هذه الحالة، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل وُلد «الناتو الإسلامي»؟
بل السؤال الأهم هو: هل بدأ غرب آسيا أخيراً في بناء أمنه بيده؟

