طارق الحجيري - خاص "الأفضل نيوز"
مع تصاعد أزمات المنطقة ودخولها مرحلة شديدة الحساسية، تغدو التفاهمات بين دولها الفاعلة حاجة ماسّة تتصل مباشرة بأمن شعوبها ومستقبلها، لا ترفًا سياسيًّا عابرًا. ومن هنا تبدأ قراءة أهمية اتفاق مكة بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، مع إمكانية انضمام دول أخرى مستقبلًا، باعتباره إطارًا عربيًّا – إسلاميًّا قادرًا على جمع المواقف وتوحيد الرؤى في مواجهة الأخطار المتصاعدة.
فشل الحوار
منذ انطلاق شرارة الحرب الأميركية على إيران، كانت الأخيرة تردّ في دول الخليج، وصولًا إلى مصر والأردن، ولم توفّر حتى سلطنة عُمان، التي شكّلت على مدى سنوات قناة اتصال وحوار بين طهران وواشنطن.
المطلوب اليوم، بعد فشل مساعي الحوار، ليس إصدار بيانات تدين الاعتداءات على دول المنطقة ومحاولات التخريب في داخلها، بل بناء موقف إقليمي صلب ومتماسك، يضع مبدأ احترام سيادة الدول وعدم استخدام أراضيها ساحاتٍ للصراعات في مقدمة الأولويات.
فالمنطقة دفعت ثمنًا باهظًا نتيجة الحروب العبثية، مباشرة أو بالوكالة، وحان وقت الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول.
الصلف الإسرائيلي
من جهةٍ أخرى، لا يمكن تجاهل الصلف الإسرائيلي المتفلّت من أي رادع، فقد باتت اعتداءاته وعملياته العسكرية الإجرامية جزءًا من المشهد اليومي في المنطقة.
ومواجهة هذا الواقع لا تكون بالمزايدات والشعارات، وإنما ببناء جبهة سياسية – عسكرية عربية وإسلامية موحّدة، قادرة على حماية المصالح الوطنية، والعودة إلى القانون الدولي، والدفع باتجاه إيجاد حلول عادلة ودائمة للقضايا العالقة، وفي مقدّمها القضية الفلسطينية.
اتفاق مكة، في حال توظيف كلّ أوراق قوته السياسية والاقتصادية والعسكرية، سيكون قادرًا على تغيير قواعد اللعبة في المنطقة، ومنع اليمين الإسرائيلي المتطرف من الاستمرار في عدوانيته من دون حسيب أو رقيب.
السؤال الأهم: ماذا بعد الاتفاق؟
المأمول أن يتحول اتفاق مكة من جبهة دفاعية عسكرية إلى مشروع نهضوي إقليمي طويل الأمد، يقوم على التعاون الاقتصادي، وحماية الحدود، وتبادل المصالح، وفتح أبواب التنمية أمام شعوب المنطقة.
فالأمن وحده لا يصنع الاستقرار، لأن الاستقرار يحتاج إلى اقتصاد وفرص عمل وتنمية وطبابة وتعليم، وإلى دول قوية تمتلك قرارها الوطني في السلم والحرب، وتكرّس حصرية حمل السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية.
ولبنان، المتأثر مباشرة بكل تحولات المنطقة، قادر على أن يكون أحد كبار المستفيدين من أي مناخ إقليمي جديد. فاستقرار المحيط يخفف الضغط عنه، ويوقف استخدامه كساحة لتصفية الحسابات، ويفتح الباب أمام استعادة دور الدولة، وتعزيز مؤسساتها، وإعادة إطلاق اقتصاده وجذب المستثمرين.
إن نجاح اتفاق مكة من عدمه لا يُقاس بحفل التوقيع وصور الحاضرين، بل بما ينتج عنه بعد ذلك. فالمنطقة أمام خيارين لا ثالث لهما: فإما العودة إلى منطق الصواريخ والقتل والحروب، وإما الانتقال إلى مرحلة جديدة بعناوين جديدة، تبدأ بالحوار والتفاهم، وتصل إلى الأمن والتنمية وصناعة المستقبل.
بعد توقيع الاتفاق، العين الآن على تحوله إلى رافعة للمنطقة نحو التقدم والازدهار.

