طارق ترشيشي - خاص الأفضل نيوز
لا تقاس كل الاتفاقيات الدفاعية بما تتضمنه من بنود، بل بما تحمله من رسائل سياسية واستراتيجية، وبالظروف التي تولد فيها. ومن هذا المنطلق، فإن اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة لا تبدو مجرد إطار للتعاون العسكري، بل تعكس تحولاً في التفكير الاستراتيجي لدى ثلاث من أبرز القوى الإسلامية، في لحظة تشهد فيها المنطقة أكبر مقدار من الاضطراب منذ عقود.
على حد ما تلاحظ أوساط ديبلوماسية متابعة فإن منطقة الشرق الأوسط تمر في مرحلة خطيرة غير مسبوقة. الحرب على غزة لم تنتهِ آثارها عند حدود فلسطين، بل امتدت إلى لبنان والبحر الأحمر والخليج، فيما تتواصل المواجهات والحروب غير المباشرة بين القوى الإقليمية، وتتزايد المخاوف من أن تتحول الأزمات المتفرقة إلى نزاع واسع يعيد رسم خريطة المنطقة. وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن الدول الثلاث توصلت إلى اقتناع مفاده أن أمن كل دولة لم يعد منفصلاً عن أمن الأخرى، وأن الردع الجماعي أصبح ضرورة، لا خياراً, ولعل هذا ما يفسر توقيت الاتفاقية. فهي لم تأتِ في فترة استقرار، وإنما في لحظة يشعر فيها الجميع بأن النظام الأمني الذي حكم المنطقة لعقود لم يعد قادراً وحده على احتواء الأزمات، وأن الاعتماد الكامل على الضمانات الدولية لم يعد كافياً في عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة.
ولم يكن اختيار السعودية وتركيا وباكستان اعتباطياً، فكل دولة تمتلك عنصر قوة يفتقده الآخر. فالسعودية تمثل الثقل السياسي والاقتصادي في العالمين العربي والإسلامي، وتحتل موقعاً محورياً في أمن الخليج وأسواق الطاقة. أما تركيا، فقد نجحت خلال السنوات الماضية في بناء قاعدة صناعية عسكرية متطورة جعلتها من أبرز منتجي الطائرات المسيّرة والمنظومات الدفاعية. في حين تمتلك باكستان جيشاً كبيراً وخبرة عملياتية واسعة، فضلاً عن كونها الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك قدرات نووية، وهو ما يمنح الاتفاقية بعداً ردعياً إضافياً. وإن جمع هذه القدرات ضمن إطار دفاعي واحد يوحي بأن الهدف يتجاوز التعاون العسكري التقليدي، نحو بناء شراكة استراتيجية قادرة على مواجهة التحديات المشتركة، وتعزيز الاستقرار في منطقة باتت تعيش على وقع الأزمات المتلاحقة.
والسؤال البديهي الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: أين إيران من هذه الاتفاقية؟
على رغم من أن إيران لم تُذكر في نصوص الاتفاقية أو التصريحات الرسمية، فإن حضورها في خلفية المشهد يكاد يكون بديهياً. فطهران تُعد أحد أبرز الفاعلين في معادلات الأمن الإقليمي، وتمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً في أكثر من ساحة في الشرق الأوسط، الأمر الذي يجعل أي ترتيبات أمنية جديدة محل اهتمامها المباشر.
لكن من الخطأ تفسير الاتفاقية على أنها تحالف عسكري ضد إيران. فبعد اتفاقية بكين بين المملكة العربية السعودية وايران شهدت العلاقات بينهما مساراً مهما نحو تعزيز العلاقات الثنائية وعلى مستوى العالم الإسلامي، بينما تحافظ تركيا على قنوات تعاون مع إيران على رغم من اختلافهما في ملفات إقليمية عدة، كما أن باكستان ترتبط مع إيران بحدود ومصالح تجعلها حريصة على تجنب أي مواجهة مباشرة. لذلك، فإن الأقرب إلى الواقع هو أن الاتفاقية تستهدف تعزيز الردع أكثر من استهداف دولة بعينها. فهي ترفع كلفة أي تهديد قد يطاول إحدى الدول الثلاث، لكنها لا تعني بالضرورة تأسيس محور موجه ضد طهران.
وماذا عن إسرائيل؟
كما أن إيران حاضرة في خلفية الاتفاقية، فإن إسرائيل أيضاً تتابع هذا التطور باهتمام. فإسرائيل تنظر إلى أي تغيير في بنية التحالفات الإقليمية بوصفه عاملاً مؤثراً في ميزان القوى، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بثلاث دول تمتلك ثقلاً سياسياً وعسكرياً كبيراً.
إلا أن الاتفاقية المعلنة لا تتضمن أي إشارة إلى إسرائيل، ولا تقدم نفسها باعتبارها تحالفاً موجهاً ضدها. وهذا أمر مهم، لأن القراءة الموضوعية تقتضي التمييز بين السياق السياسي والمضمون الرسمي. ومع ذلك، فإن الحرب الإسرائيلية على غزة وما رافقها من تغيرات في البيئة الأمنية تجعل من الطبيعي أن تراقب إسرائيل هذا التقارب العسكري، لأنه قد يمثل بداية تشكل قوة إقليمية أكثر قدرة على التنسيق في الملفات الأمنية والدفاعية مستقبلاً.
أما بالنسبة الى موقع الولايات المتحدة الأميركية من اتفاقية مكة، فقد يذهب البعض إلى اعتبار هذه الاتفاقية مؤشراً الى تراجع النفوذ الأميركي في المنطقة، لكن هذا التوصيف يبدو مبالغاً فيه. فالسعودية لا تزال ترتبط بشراكات استراتيجية مع واشنطن، وتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي ( الناتو)، وباكستان تحتفظ بعلاقات عسكرية مع الولايات المتحدة الأميركية. ولذا فإن الأقرب إلى الواقع هو أن الاتفاقية تعكس توجهاً نحو تنويع مصادر القوة والتحالفات، وليس استبدال شريك دولي بآخر. فهي تعبر عن رغبة متزايدة لدى القوى الإقليمية في امتلاك أدوات أمنية مستقلة تمكنها من التعامل مع الأزمات من دون انتظار تدخل القوى الكبرى.
وربما يكون السؤال الأهم: هل تشكل اتفاقية مكة الثلاثية نواة لتحالف إسلامي جديد؟
والجواب، بحسب بعض الأوساط الديبلوماسية، هو أن الاتفاقية إذا بقيت في حدود التنسيق العسكري والمناورات المشتركة، فستظل إطاراً دفاعياً مهماً لكنه محدود التأثير. أما إذا تطورت إلى إنشاء مؤسسات دائمة للتخطيط العسكري، وربط الصناعات الدفاعية، وتوحيد بعض منظومات الدفاع الجوي والبحري، ثم انضمت إليها دول إسلامية أخرى تمتلك ثقلاً سياسياً أو عسكرياً، فقد تكون المنطقة أمام بداية تشكل منظومة أمنية إسلامية جديدة، تختلف عن التحالفات التقليدية التي عرفها الشرق الأوسط خلال العقود الماضية. ولا يعني ذلك بالضرورة قيام حلف عسكري في مواجهة إيران أو إسرائيل أو أي طرف آخر، بل قد يعكس توجهاً نحو بناء قوة ردع جماعية تحمي مصالح الدول الأعضاء وتمنحها هامشاً أكبر من الاستقلال في اتخاذ قراراتها الأمنية.
وفي أي حال قد يكون من المبكر الحكم على النتائج العملية لاتفاقية مكة، لكن المؤكد أنها ليست حدثاً بروتوكولياً عادياً. فهي تعكس إدراكاً متزايداً لدى السعودية وتركيا وباكستان بأن التحديات الأمنية لم تعد محلية، وأن مواجهة المخاطر الإقليمية تتطلب شراكات أعمق وأكثر تنظيماً.
أما إيران وإسرائيل، فعلى رغم من أنهما ليستا طرفين في الاتفاقية، فإنهما ستكونان من أكثر الدول متابعةً لتداعياتها، لأن أي تغيير في بنية الأمن الإقليمي سيؤثر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في حساباتهما الاستراتيجية. إلاّ أن السؤال الذي سيبقى مفتوحاً: هل تمثل اتفاقية مكة بداية لنظام أمني جديد في الشرق الأوسط؟ أم أنها ستظل خطوة دفاعية محدودة فرضتها ظروف المرحلة؟
إن الإجابة على هذا السؤال لن تتوقف على نصوص الاتفاقية، بل على ما ستترجمه الدول الثلاث من إرادة سياسية إلى تعاون عسكري ومؤسسي على أرض الواقع.

