د. علي دربج ـــ أستاذ وكاتب جامعي -خاصّ الأفضل نيوز
تخيّل أن تفتح هاتفك عند الثالثة فجرًا، وتعترف لـChatGPT ..، بأشد خصوصياتك حساسية"، أو تسأله كيف تُخفي رسالة، ثم تُغلق الشاشة معتقدًا أن السرّ انتهى هناك. لكن مهلًا، ما تجهله أن كلماتك قد تصل إلى الشرطة، وتظهر أمام القاضي، أو قد يستخدمها خصمك ضدّك.
هذه ليست فرضية؛ فقد وجدت مراجعة أجرتها صحيفة "الواشنطن بوست" أن سجلات روبوتات المحادثة استُخدمت في 12 قضية جنائية ومدنية خلال عامين، وبذلك، يكون الذكاء الاصطناعي قد تحوّل من مستودع للأسرار، إلى نافذة تكشف أفكار الإنسان ونواياه.
اعتراف الثالثة فجرًا
إحدى أكثر القصص إثارةً تدور حول طالب أميركي سمح للشرطة بتفتيش هاتفه بعد الاشتباه بتحطيمه 17 سيارة. والمفاجأة أن المحقّقين وجدوا أسئلته لـ«ChatGPT» مخزّنة حرفيًّا، وهذا مضمونها: «إلى أيّ حدّ أنا متورّط؟ وهل يمكنهم معرفة أنني الفاعل؟». وبعد أيام، أُوقف الشاب، ثم أقرّ بذنبه، وحُكم عليه بالمراقبة القضائية خمس سنوات.
"شات جي بي تي" يفضح محاولة إخفاء الدليل
ضع في اعتبارك أن الخطر لا يقتصر على الجرائم. ففي ولاية ميشيغان، اتّهمت شركةٌ بائعَ إطارات كان يعمل لديها سابقًا، بالتواصل مع زبائنها بعد انتقاله إلى أخرى منافسة. وأثناء تفتيش أجهزته، ظهر أنه سألChatGPT ، إن كان محرّك البحث "ياهو" يستطيع استعادة رسالة حذفها قبل عام، حتى بأمر من المحكمة،
هنا انقلب السؤال إلى بيّنة! إذ رأت الشركة أن بحثه هذا يكشف عن وسيلة لإخفاء الرسالة. أمّا القاضي، فوصفته بأنه "دليل دامغ" على تعمُّد حجب المعلومات، وألزمته بدفع تكاليف العمل الإضافي لمحامي خصمه.
الذكاء الاصطناعي يتّصل بالـ"FBI"
عمليًّا، مخطئٌ من يظنّ أن الذكاء الاصطناعي مجرّد متلقٍّ للأوامر، فأخطر ما توصّل إليه أن المحادثة قد تصل إلى الشرطة من دون تفتيش الهاتف، ففي ولاية فلوريدا، أمضى مواطن أميركي يُدعى دارين تشو أشهرًا يخبر «ChatGPT» بخططه للاعتداء على صديقته السابقة وقتلها، موضّحًا أنه سيترصّدها قرب سيارتها، والمثير في الأمر أن شركة «OpenAI» رصدت المحادثات وأبلغت مكتب التحقيقات الفيدرالي الـ«FBI»، الذي أحال المعلومات إلى الشرطة المحلية. وبعد تحديد هوية المرأة، اكتشف المحقّقون أن تشو كان يرسل إليها رسائل مجهولة ومثيرة للخوف، وتبعًا لذلك، أُوقف بتهمتَي المطاردة وإطلاق تهديدات إلكترونية، ثم أقرّ بذنبه وحُكم عليه بالمراقبة القضائية ثماني سنوات،
واللافت أن هذه المحادثة خرجت عن كونها دليلًا عُثر عليه بعد الجريمة، بل إنذارًا أوصل الشرطة إليه قبل تنفيذ تهديده.
مراهق باح بسرّه... فقرأه محامو الشركات
إضافةً إلى ما تقدّم، لا يحتاج الأمر إلى جريمة أو تهديد، فقد لجأ مراهق في الخامسة عشرة إلىChatGPT ليفهم كلام والده، وتحدّث معه عن أمور عائلية ونفسية شديدة الخصوصية، لاحقًا، ظهرت محادثاته في دعوى رفعها المراهق، ضدّ كلٍّ من الشركات التالية: «ميتا» و«سناب شات» و"تيك توك" و"يوتيوب"، متّهمًا تطبيقاتها بالتسبّب بإدمانه ومشكلاته النفسية، ولذلك، أدخل محامو الدفاع كلامه في السجلّ العلني للقضية، رغم تأكيد محاميه أنه لم يؤثّر في التسوية،
وهنا المفارقة: لجأ الفتى إلى الروبوت لأنه اعتقد أن لا أحد يسمعه، فانتهت كلماته أمام المحامين والخبراء.
في المحصّلة:
روبوت المحادثة، ليس دفتر أسرار محميًّا، بل مخزن معلومات قد تصل إليه الشرطة والمحاكم والخصوم. ومع انتشار وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على قراءة البريد والملفات، قد يصبح عالمك الرقمي كلّه دليلًا ينتظر مَن يطلبه. لذا احذر "الثرثرة"

