محمد علوش - خاص الأفضل نيوز
رفع خطاب الرئيس نبيه بري في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر السقف في الداخل، بعد مرحلة حاول فيها انتظار ما هو إيجابي بناءً على وعود رئيس الجمهورية، فكانت المواقف الحاسمة أقرب إلى محاولة لرسم المرحلة المقبلة في الجنوب ولبنان، وتحديد ما يمكن أن تقبله الدولة اللبنانية وما لا يمكن أن يتحول إلى أمر واقع تحت ضغط الحرب أو التفاوض.
بعبارات قليلة طالت مجموعة من العناوين دفعة واحدة، من اتفاق الإطار، والمناطق التجريبية، والجنوب كوحدة جغرافية، والجيش، والقرار 1701، والتفاوض، والملحقات أو التفاهمات التي يمكن أن تنشأ من المسار الجاري، اختار بري رفع سقف المواقف ولكن بهدوء، واللافت أن بري لم يكتفِ برفض صيغة معينة من التفاوض، بل ذهب إلى رفض المنطق الذي يمكن أن ينتج عنها، حين يقول إن أحداً لا يملك حق التصرف بالعناوين السيادية تحت أي مسمى، سواء كان اتفاق إطار أو ملحقات سرية، فهو عملياً يضع سقفاً مسبقاً لأي تفاهم قد يتجاوز الإطار المعروف للقرارات الدولية والدولة اللبنانية.
وحين يرفض بري المناطق التجريبية أو تقسيم الجنوب بين شمال النهر وجنوبه، رغم أنه اقترح سابقاً، في حال قررت السلطة المضي بالأمر، أن يكون على مستوى القضاء، فهو يكشف موقفه من كل البحث الحالي عن آليات التحقق وتشكيل الفرق وتقسيم المهام وجعل الجنوب ساحة اختبار لترتيبات أمنية جديدة تُفرض أولاً على الأرض، ثم يجري إعطاؤها غطاءً سياسياً رسمياً لاحقاً.
بحسب مصادر مقربة من الرئيس بري، فالمسألة، بالنسبة إليه، لا ترتبط فقط بواقع الجنوب الصعب اليوم، إنما بمستقبل الجنوب، لأن كل المفاوضات قائمة على أساس من سيقرر، ومن سيفرض، ومن سيراقب، ومن سيضمن، وما الذي سيحل مكان القرار الدولي 1701، ومن سيحل بديلاً عن اليونيفيل، وكل هذه الأسئلة ستكون إسرائيل شريكة بإعطاء الإجابات عليها إن لم تتدارك الدولة اللبنانية مسار التفاوض.
يشعر بري بقلق بالغ أيضاً حول الجيش اللبناني الذي جدد رسم الخطوط الحمراء تحته وفوقه وعلى جانبيه، لأن بري يدرك رغبة إسرائيل بالفتنة الداخلية، ولا يمكن للفتنة أن تمر إلا من خلال ضرب الجيش ووضعه بمقابل المقاومة بالداخل، ويرى أن المدخل لذلك سيكون من خلال آليات التحقق التي يُحكى عنها، وطبيعة الجهات التي تحدد معايير التحقق، وطريقة المراقبة، ومن يملك حق تقييم أداء الجيش، وما إذا كانت هذه الآليات ستبقى ضمن سيادة الدولة اللبنانية أم تتحول عملياً إلى نظام رقابة على الدولة نفسها، لذلك تؤكد المصادر عبر "الأفضل" أن بري يحاول منع تحول الجيش من أداة تنفيذ لقرار الدولة إلى طرف يعمل وفق معايير تضعها جهات خارجية.
لم يرفض بري مبدأ مسؤولية الدولة عن الجنوب، ولم يفعل يوماً، بل على العكس، أعاد تحميل الدولة هذه المسؤولية، ولكن من داخل مفهوم مختلف يقوم على أن الجنوب يجب أن يكون تحت سلطة الجيش والمؤسسات اللبنانية، وبمؤازرة القوة الدولية، وليس تحت ترتيبات أمنية خاصة تجعل الدولة نفسها موضوعاً للمراقبة والامتحان، لذلك جاءت عبارته عن أن الجنوب ليس مناطق تجريبية كي يمتحن فيها المحتل الإسرائيلي جيشنا ومؤسساتنا المدنية والأهلية. وتعتبر المصادر أن بري لم يرفض اتفاق الإطار والمفاوضات لرغبته بضرب السلطة والدولة، بل على العكس، فهو يؤيد تماماً فكرة انتقال مسؤولية الجنوب إلى الدولة، ولكنه يرفض أن يكون انتقال هذه المسؤولية نتيجة ترتيبات أمنية تُفرض على لبنان وفق شروط إسرائيلية أو أميركية.
لذلك فإن تمسكه بالقرار 1701 هو تمسك بمظلة دولية يعتبرها لبنان إطاراً يحمي حقوقه ويمنع تحول الجنوب إلى ملف أمني ثنائي بين لبنان وإسرائيل، ولهذا أيضاً رفض بري ما سماه الإطاحة بالقرارات الأممية التي تحفظ حقوق لبنان السيادية، مؤكداً دور الجيش اللبناني ومؤازرة قوات الأمم المتحدة، ففي خلفية ذلك كله، هناك إدراك لدى بري بأن المرحلة المقبلة قد تكون أخطر من مرحلة الحرب، لأن هناك سعياً إسرائيلياً لتحويل وقائع الحرب إلى نصوص وترتيبات وآليات، وهذا يبرر رفضه الواضح والصريح لاتفاق الإطار وما ينتج عنه.
وضع الخطاب سقفاً أمام الرئاسة اللبنانية في إدارة المسار التفاوضي، رغم أن بري لم يعلن المواجهة مع رئيس الجمهورية، لكنه يقول عملياً إن التفاوض لا يمنح أحداً تفويضاً مفتوحاً في العناوين السيادية، وهذا يعني أن أي اتفاق نهائي أو ترتيبات أمنية جديدة لن تلقى قبولاً بلا موافقته، بمن يمثل وما يمثل.

