هديل الحسين - خاصّ الأفضل نيوز
قد تتوقف أصوات القصف، تفتح المدارس أبوابها ، تعود الطرقات إلى الحركة، ويبدأ الحديث عن إعادة الإعمار، لكن، خلف هذه الصورة، تبدأ معركة أخرى، كيف يعيش الناس بعد الأزمات؟ كيف تدفع الأسرة إيجار منزلها؟ كيف يعود الطفل إلى مدرسته؟ وكيف يستعيد الإنسان شعوره بالأمان؟
في لبنان لا يمكن النظر إلى " ما بعد الأزمة " باعتباره مرحلة منفصلة تماماً عن الأزمة نفسها؛ فالبلاد دخلت عام 2026 وهي تحمل آثار سنوات من الانهيار الاقتصادي والأزمات الاجتماعية، قبل أن يؤدي التصعيد الذي بدأ في آذار 2026 إلى انتكاسة جديدة للتعافي الهش.
وبحسب البنك الدولي، كان الاقتصاد اللبناني قد سجل نمواً حقيقياً قدره 4,2% في 2025، وهو أفضل أداء منذ بداية الأزمة المالية عام 2019، قبل أن يتجدد الصراع إلى تعطيل هذا المسار، مع توقع انكماش الاقتصاد 6,4% في 2026.
لكن الأرقام الاقتصادية لا تخبر وحدها قصة العائلات التي تحاول البدء من جديد..فبالنسبة للشخص الذي نزح من منزله، تبدو العودة في البداية كأنها النهاية الطبيعية للأزمة ولكن ماذا يجد بعد العودة؟
بعد العودة، يظهر مشهد منزل متضرر، أثاث مفقود، مدرسة مغلقة، متجر لم يعد موجوداً، أو حيّ قد تغيرت أو اختفت ملامحه!
وتشير اليونيسيف إلى أن التصعيد الأخير تسبب بأضرار واسعة في البنية التحتية، فيما بقيت خدمة المياه والصحة والتعليم والحماية تحت ضغط كبير. كما أظهر تقييم وطني للتعليم أجري في حزيران 2026 أن 340 مدرسة تضررت، بينها 17 مدرسة دمرت بالكامل، ما يهدد بقاء نحو 100 ألف طفل دون صفوف دراسية إذا لم تتم أعمال الإصلاح سريعاً.
وهنا تظهر المفارقة قد يعود الإنسان إلى عنوانه القديم، لكنه لا يعود إلى حياته القديمة..فالأزمة لا تظهر فقط في المنازل المدمرة، أحياناً تظهر في ثلاّجة فارغة، أو في أمٍّ تقف أمام رفوف السوبر ماركت وتحاول حساب ما تستطيع شراءه أو في عائلة تستغني عن بعض المواد الغذائية كي تتمكن من دفع الإيجار….
وفق برنامج الأغذية العالمي يواجه 1,24 مليون شخص في لبنان أي قرابة شخص من كل أربعة ، مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، كما ارتفع تضخم أسعار الغذاء بنسبة 18% خلال 2026 وفق بيانات البرنامج.
ثم جاءت الأزمة الجديدة لتعيد آلاف العائلات إلى نقطة أكثر هشاشة فماذا تفعل الأسرة عندما ينخفض دخلها بينما ترتفع تكلفة كل شيء؟ فتبدأ الأولويات بالتغير .. والمساعدات تستطيع إنقاذ الأسرة في اللحظة الحرجة، لكنها لا تستطيع وحدها بناء المستقبل..
وهناك جانب آخر من " ما بعد الأزمة" لا يمكن قياسه بسهولة كالخوف من عودة الحرب، الخوف من فقدان المنزل مرة أخرى.. الخوف من المجهول.. فالطفل الذي عاد إلى مدرسة قد يبدو طبيعياً أمام الكاميرا لكنه قد يكون ما زال يحمل آثار تجربة النزوح والخوف والفقد..
وتؤكد اليونيسيف أن الأطفال في لبنان تعرضوا خلال التصعيد لتجارب قاسية منها النزوح المتكرر، مشاهدة العنف، فقدان أشخاص، تدمير مدارسهم والشعور بانعدام الأمان..
ربما تكون أخطر نتائج الأزمات هي تلك التي لا تظهر فوراً كطفل انقطع عن المدرسة، مراهق اضطر إلى العمل، عائلة لم تعد تحمل تكاليف التعليم، شاب خسر مصدر رزقه، عائلة دون مأوى نزحت أكثر من مرة…فالأزمة لا تنتهي عندما تتوقف أصواتها بل تنتهي عندما يصبح الإنسان قادراً على أن يأكل ويعمل ويتعلم ويسكن بأمان ويحلم بغد..
من العودة إلى المنزل، إلى المدرسة، إلى فقدان مصدر الرزق وإثارة ما بعد الصدمة٠٠٠كيف يبدأ اللبنانيون حياتهم من جديد بعد الأزمات ؟
كان معنا شهادتان من قلب الأزمة للشابة سارة الفتاة الجنوبية التي نزحت من بلدة كونين جنوب لبنان وهي أم لطفلين، قالت سارة: " في البداية لم نتوقع أن تصل الأمور إلى ما حصل، كنا نسمع الأصوات فقط، وعندما تصاعدت الأمور اضطررت للنزوح أنا وأطفالي وتوقفت عن العمل فما زال صوت الطائرات داخل آذاننا فتركنا ذكريات وليس جدرانًا، وكل يوم نتساءل هل سنعود ؟ وإن عدنا كيف سنعيش؟ هل سنبدأ من جديد؟! أطفالي يسألونني " هنا لا يوجد قصف"؟
أما رامي، الشاب الثلاثيني المسؤول عن أمه وأبيه العاجزين من بلدة الطيبة جنوب لبنان قال" عملي توقف تقريباً، مصدر رزقي تضرر وفجأة لم يعد هناك شيء، وكنت مقبلا على زواج أيضا توقف، لأني فقدت منزلي، وضغوطات المسؤولية عن والديَّ تخلق ألف سؤال وسؤال، ودائما أتساءل إذا عدت كيف علي أن أبدأ ومن أين؟ "٠٠٠
هنا يأتي العامل أو الأثر النفسي ، فما الذي يحدث نفسياً للإنسان بعد الأزمة؟ هل يمكن أن يستمر إثر الأزمة لسنوات ؟
شرحت الأخصائية النفسية مايا دبوق قائلة " تحت الخطر لا يشعر الإنسان سوى أنه يحاول النجاة وعندما ينتهي يدرك الخطر والشعور بـ" آثار ما بعد الصدمة" أي إعادة تكرار الأحداث الصادمة بطريقة قهرية ويشعر بالخوف والقلق ويعود ويشعر بالخطر مع العلم بأنه يعلم أن الخطر الحقيقي قد انتهى، ومعها يستمر أثر الأزمة إلى سنوات ويتطور إلى أصعب في حال لم تتم المعالجة، ومن ناحية الأطفال، فسلوكياتهم تفسر شعورهم بعدم الأمان، وهنا يأتي دور الأهل بالشرح لهم أنهم في أمان وأنهم مسؤولون عن حمايتهم".
في لبنان، تبدو مهمة التعافي أكثر تعقيداً من الأزمة، لأن الأزمة الجديدة جاءت بسبب تراكمات من أزمات سابقة، هنا يبدأ فصل آخر من المعاناة ورحلة البحث عن حياة، استقرار، مصدر رزق و الأمان…
وفي النهاية، تبقى قدرة الإنسان على الصمود واحدة من أبرز وجوه ما بعد الأزمات، لكن الصمود وحده لا يكفي فالمجتمع والدولة والمنظمات الإنسانية مطالبون بتوفير الدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي.
النجاة الحقيقية لا تعني فقط أن يبقى الإنسان حياًّ، بل أن يتمكن من استعادة حياته وكرامته وأمله بالمستقبل…

