غدير عدنان نصر الدين - خاصّ الأفضل نيوز
منذ متى أصبح من الطبيعي أن يحتاج الإنسان إلى أكثر من وظيفة ليعيش حياةً عادية وبسيطة؟ نعم، هكذا أصبح الحال في لبنان مع مرور السنوات، فقد بات اللبناني يبدأ يومه مع طلوع الشمس، وينهيه أحياناً بعد أن ينام الجميع. تراه يتنقّل على مدار الأربع والعشرين ساعة بين وظيفته الصباحية، وعملٍ إضافي بعد الظهر، وأحياناً مهنة حرة في المساء. ومن يرى الصورة من بعيد، قد يظن أن هذه الوظائف الثلاث تقف وراءها طموحات كبيرة أو رغبة في زيادة الدخل، بينما الحقيقة أن هذا الأمر، بالنسبة إلى كثير من الأشخاص، بات وسيلة لتأمين حياة عادية وبسيطة…
وعلى الرغم من هذا الكفاح الدائم، تتأثر هذه المهن الحرة والصغيرة تحديداً بشتى أنواع الأحداث التي يمر بها البلد، ما يزيد الطين بلّة ويثقل الأعباء على كاهل أصحابها، ففي المهن الحرة تحديداً، تؤدي أي أزمة يمر بها البلد إلى تراجع الطلب، الأمر الذي ينعكس مباشرةً على دخل الفرد، ويدفعه إلى البحث عن أكثر من وظيفة أو مهنة لتأمين احتياجاته الأساسية.
لم يعد السؤال: ماذا تعمل؟ بل: ما هي الصعوبات التي تواجهها وأنت تعمل في وظيفتين أو أكثر لتأمين قوت يومك ؟
"رزقة يوميّة على المحكّ"
في حديثٍ لـ"الأفضل نيوز" يروي المواطن م.ب. من الجنوب، الصعوبات التي يواجهها يومياً لتأمين حياة بسيطة وكريمة له ولعائلته.
م.ب. صاحب مهنة حرة في مجال حدادة السيارات، حيث يبدأ عمله في مصلحته منذ ساعات الصباح الأولى وحتى بعد الظهر، لينتقل بعدها إلى عمله الثاني من العصر حتى المغرب، إذ يعمل في تنظيف الحقول وزراعتها، ما يساعده على تأمين مدخول إضافي، فـ "إذا صحّ له عمل إضافي في المساء، لن يقول 'لا' للرزقة"، حسب تعبيره.
ويشير م.ب. إلى أنه، في ظل الأوضاع التي مرّ وما يزال يمر بها البلد، سواء على الصعيد الاقتصادي أو الأمني، ومع ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد المسؤوليات الملقاة على عاتق ربّ المنزل، لم يعد الاعتماد على مهنة واحدة كافياً، بل أصبح البحث عن عمل إضافي ضرورة لتأمين الاحتياجات اليومية.
أما في ما يخصّ الصعوبات، فأوضح م.ب. أن المشكلة لا تكمن فقط في كون نهاره موصولاً بليله، بل في عدم استقرار المهنة الحرة نفسها، إذ إن صاحب المهنة لا يملك راتباً ثابتاً يمكنه الاعتماد عليه في نهاية كل شهر. فالمدخول يرتبط بعدد الزبائن وحجم الأعمال، وهما عاملان يتأثران بشكل مباشر بأي ظرف يمرّ به البلد، فضلاً عن ارتفاع أسعار المحروقات وعدم الاستقرار الأمني الحالي، واصفاً واقع أصحاب المهن الحرة أنه دائماً "على المحك"..أما في ما يخصّ الوقت المتبقي من يومه، فأشار إلى أنه يعمل لأكثر من ١٤ ساعة من أصل ٢٤ ساعة، ما يعني أن ساعات العمل الطويلة تأتي على حساب وقت الراحة والعائلة والحياة الشخصية.
ويلخّص م.ب. واقع أصحاب المهن الحرة بالقول: "بدلًا من أن تكون المهنة وسيلة للاستقرار، أصبحت معركة يومية لتأمين الحد الأدنى من مقوّمات العيش، في بلد أصبح تقريبًا غير قابل للحياة".
فمن المؤسف القول، إن هذه الصورة العامة أصبحت واقعًا يعيشه أصحاب المهن الحرة، حيث باتت تلك المهن معركة مفتوحة، بات فيها الاستقرار أول ما يدفعه العامل...

