بولين فاضل - خاصّ الأفضل نيوز
في الزمن الراهن، يبدو وكأن بعض الأمثال قد فقدت صلاحيتها وصوابيتها، ولا سيما تلك التي تحاكي الفصول الأربعة، وفي لبنان يكفي أن شهر آب لم يكن لهابًا، وأيلول، بتقديرات خبراء المناخ، لن يكون "طرفه بالشتي مبلول". أما السبب، فهو أن العالم، لا لبنان فقط، يسير أكثر فأكثر على إيقاع التغير المناخي والتصحر وظواهر مناخية عدة تبدأ بالنينيو والنينيا ولا تنتهي بظاهرة حديثة تُعرف بالاحترار الستراتوسفيري.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى توصية أممية من المنظمة الدولية تقول بتأقلم أهل الأرض مع الدفء العالمي والتعامل بمرونة مع الظواهر المناخية المستجدة.
الخبير الاختصاصي في إدارة المياه والمناخ الدكتور فادي كرم قال في حديث إلى "الأفضل نيوز" إن "ثمة تبدلًا في الفصول ما يجعل شتاءنا خريفًا وربيعنا شتاء"، مضيفًا إننا "أمام شتاء متأخر وغير منتظم، بمعنى أن الأمطار ليست في أوانها، والفترة الزمنية الطويلة من الحرارة تليها فيضانات جراء كمية من الأمطار تهطل دفعة واحدة وخلال وقت قصير، وهي كمية تفوق قدرة الأرض على استيعابها، فتذهب هدرًا".
وأعطى د. كرم مثالًا على ذلك ما جرى أواخر شهر آب في لبنان من هطول كثيف للأمطار في 24 ساعة، بحيث بلغت الكمية 150 ملمترًا، وهي ربع المعدل العام الذي يُقدّر بـ600 ملمتر، وهذه الفيضانات حين تحصل يصفها البعض بالقول: "الأرض عم تشتي".
وفي بلد مثل لبنان تقوم 99 بالمئة من ثرواته المائية على الأمطار، يقول د. فادي كرم إن "عدم هطول الأمطار هو الكارثة بعينها، كارثة بيئية وزراعية ومجتمعية لأن السبيل الوحيد لتجدد هذه الثروات هو الأمطار"، مضيفًا إن "ما نشهده هو ارتفاع حرارة سطح البحار والمحيطات أو ما يسمى بظاهرة النينيو، تزامنًا مع سيطرة مرتفع جوي سيبيري فوق المنطقة يقف جبهة تحول دون وصول الرياح الغربية إلى لبنان أو شرق حوض المتوسط، وهي الظاهرة المعروفة بالنينيا، بحيث تكون النتيجة كما حصل في شتاء 2026 جوًا باردًا ولكن من دون الرياح الغربية التي هي الشفاء والحياة للبنان لكونها تأتي بالأمطار".
وعن سبب هطول الأمطار في شهر آب وما ينتظرنا في أيلول، وتشرين الأول، أوضح د. كرم أن "ما يفسر أمطار آب هو الاحتقان على مستوى الطبيعة من حرارة وتبخر وغيوم يحتاج إلى تصريف"، مضيفًا إن "ما ينتظرنا هو جفاف في أيلول وربما في تشرين الأول، وسنة 2027 ستكون أكثر سنة احترارية بعد سنة 1947، وأنا أقول للبنانيين: رشّدوا استعمال المياه وانتبهوا إلى استهلاكها وإلى كل نقطة مياه لأن لها ثمنها، واستعدوا قبل الأمطار إلى فترة حرارة".
في الخلاصة، قد تكون عبارة "كل شي تغير" اختصارًا لما آلت إليه اليوم الحياة وموازين الطبيعة، وصحيح أن فصل الشتاء "مهما تأخر جايي"، لكن الوعي وترشيد استخدام المياه والخطط الاستباقية ومضاعفة الغطاء النباتي، كلها عوامل ضرورية لمواجهة ما هو مقبل على الأرض من احترار خطير.

