هديل الحسين - خاص الأفضل نيوز
بين الرغبة في الارتباط والقدرة على تأسيس منزل وحياة مستقرة، يجد بعض الشباب اللبنانيين أنفسهم أمام معادلة صعبة: الحب موجود، لكن هل تكفي المشاعر وحدها لبناء أسرة في ظل واقع اقتصادي متقلّب؟
لم يعد قرار الزواج بالنسبة إلى بعض اللبنانيين خطوة عاطفية فحسب. فقبل اتخاذ القرار، تدخل أسئلة أخرى على الخط: أين سنعيش؟ كيف سندفع الإيجار؟ هل يكفي الدخل لتغطية احتياجات الأسرة؟ وهل نستطيع تحمّل مسؤولية الأطفال؟
أسئلة تبدو عملية، لكنها قد تكون قادرة على تأجيل قرار عاطفي طال انتظاره.
عندما يصطدم الحب بالواقع
بالنسبة إلى شاب في بداية الثلاثينيات، قد لا تكون المشكلة في العثور على شريكة أو الوقوع في الحب، بل في القدرة على الانتقال من العلاقة إلى تأسيس حياة مشتركة.
دخل غير مستقر، صعوبة تأمين السكن، وارتفاع تكاليف المعيشة، كلها عوامل قد تجعل خطوة الزواج أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى بعض الشباب.
ويقول أحد الشباب، في شهادة تعكس هذا النوع من التجارب: «نحن نحب بعضنا، لكن المشكلة أنني لا أملك القدرة على تأسيس بيت وتحمل مسؤوليات أسرة. الحب موجود، لكنني أخاف من أن أبدأ حياة لا أستطيع تأمين متطلباتها.»
وفي المقابل، لا يعني بحث بعض النساء عن الاستقرار المالي البحث عن الثراء، بقدر ما قد يرتبط بالحاجة إلى شريك قادر على تحمّل المسؤولية والمشاركة في أعباء الحياة.
وتقول شابة لبنانية:
«لا أبحث عن رجل ثري، لكنني أريد شخصًا قادرًا على تحمّل مسؤولية بيت وأسرة. الحب مهم جدًا، لكن لا أستطيع تجاهل الواقع.»
بين الشهادتين يبرز سؤال يتجاوز المال والحب معًا:
هل يستطيع الحب وحده أن يبني منزلًا؟
ماذا تقول الأرقام؟
بحسب الأرقام الواردة في المعطيات المتاحة، سُجّل في لبنان 25,628 زواجًا خلال عام 2024، مقابل 6,894 حالة طلاق.
لكن هذه الأرقام، مهما كانت دلالتها، لا تكفي وحدها للإجابة عن سؤال: لماذا يؤجل بعض الشباب الزواج؟
فانخفاض أو ارتفاع أعداد الزيجات يمكن أن يرتبط بعوامل متعددة، اقتصادية واجتماعية وديموغرافية، ولا يمكن تحميل العامل الاقتصادي وحده مسؤولية أي تغير من دون دراسة أوسع.
جيل ينتظر «الوقت المناسب»
بالنسبة إلى بعض الشباب، يتحول الزواج إلى مشروع ينتظر اكتمال شروطه.
بين شاب ينتظر وظيفة أفضل، وآخر يفكر في الهجرة قبل اتخاذ خطوة الارتباط، وثالث يقرر الزواج بإمكانات محدودة ويختار تقليص تكاليف الاحتفال وتفاصيله، تتعدد التجارب وتختلف الظروف.
ورغم هذا الاختلاف، يجتمع أصحابها على فكرة واحدة:
الزواج يحتاج إلى استعداد يتجاوز المشاعر.
هل أصبح المال جزءًا من العلاقة نفسها؟
لا يتوقف تأثير الوضع الاقتصادي بالضرورة عند قرار الزواج.
فدراسة لبنانية منشورة عام 2024، وشملت 585 مشاركًا، بحثت في العوامل المؤثرة في العلاقات العاطفية في لبنان، وأشارت إلى ارتباط بين الضغوط المالية وزيادة قابلية النزاع داخل العلاقات.
ومع ذلك، تكشف هذه الفكرة جانبًا مهمًا من المسألة:
المال قد يدخل العلاقة قبل الزواج، لكنه قد يستمر أيضًا كعامل ضغط بعده.
الحب أم المال؟
فالمال لا يصنع الحب، والحب وحده لا يستطيع دفع الإيجار أو تأمين احتياجات الأسرة.
لكن الاستقرار الاقتصادي قد يمنح العلاقة مساحة أكبر للتنفس، في حين يمكن للضغوط المالية أن تضيف أعباء جديدة إلى حياة الزوجين.
لذلك، قد لا يكون الصراع الحقيقي بين الحب والمال، بل بين الحب والقدرة على تحمّل تكاليف الحياة.
وبين شاب يؤجل الزواج حتى يجد وظيفة أفضل، وآخر يفكر في الهجرة، وشابة تبحث عن الاستقرار قبل الارتباط، تظهر تجارب مختلفة لا يمكن اختزالها في سبب واحد.
الزواج… مؤجّل لا ملغى
لا تسمح المعطيات المتاحة بالقول إن المال أصبح أهم من الحب لدى اللبنانيين، ولا تثبت أن الأزمة الاقتصادية وحدها تفسر تأجيل الزواج.
لكنها تفتح بابًا على واقع جديد لدى بعض الشباب: الرغبة في الزواج ما زالت موجودة، إلا أن الطريق إليها أصبح أكثر حذرًا وحسابًا.
فقد لا يكون الزواج بالنسبة إلى هؤلاء مشروعًا ملغى، وإنما هو مشروع مؤجل إلى أن تتوافر القدرة على تحمّل مسؤولياته.
وفي النهاية، ربما لم يعد السؤال: «هل نحب بعضنا؟»
بل أصبح: «هل نستطيع أن نبني حياة مشتركة بهذا الحب؟»

