يحيى الإمام - خاصّ الأفضل نيوز
لكي يكون الإعلاميُّ ناجحاً ومحترفاً ومهنياً لا يكفي أن يحققَ الشهرة، فهناك كثيرٌ من الراقصاتِ والفناناتِ الاستعراضيات قد حققنَ الشُّهرةَ دون امتلاك الحدِّ الأدنى من مقومات الفنِّ والطرب، وإنَّما ينبغي أن يتحلى الإعلاميُّ بمواصفاتٍ مهنية تجعله والبرامجَ التي يقدّمها مقبولاً من كلِّ أبناء الوطن الواحد على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم السياسية والاجتماعية والدينية.
ولعلَّ من أهمِّ هذه المواصفات : الحياديَّة والموضوعية والمسؤولية الوطنية والدِّقَّة في نقل الخبر والأمانة الصحفية واحترام ميثاق الشرف الإعلاميِّ الذي ينصُّ على هذه القيَم كلِّها.
والبرامجُ الحواريةُ لها قواعدها القانونيةُ أيضاَ ، كقاعدة حقِّ الردّ، والابتعاد عن إثارة الفتن بين أبناء الوطن، ومراعاة الحرية الوطنية المسؤولة وعدم القدح والذّمِّ وعدم تناول الأشخاص بمعتقداتهم التي يكفلها الدستور وتحميها القوانين والأعراف الدستورية ، وتتجلى هذه القواعد في استقبال الضيوف من مختلف ألوان الطيف الوطنيِّ وإبراز التَّنوُّع في الآراء من خلال اختيار الضيوف والجمهور المشارك.
وفي إعلامنا الوطنيِّ والعربيِّ نماذج غير مهنية تتعرضُ للنَّقد الدائم لأنها تتخطى كلَّ هذه القيَمِ وتتجاوز ميثاقَ الشرف الإعلاميِّ كالدكتور فيصل قاسم في قناة الجزيرة ، والمحامي مارسيل غانم في محطة MTV اللبنانية، ورغم ذلك يحققان شهرةً كشهرةِ هيفا وهبي ومي خليفة وأكثر لأن جمهورَ المشاهدين لا يميزون بين الغثِّ والسمين في ظلِّ طفرة وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعيِّ المتفلّتِ من كلِّ عقال، ولا يعرف جلُّهم القواعدَ القانونيةَ والأخلاقية التي ينصُّ عليها ميثاقُ الشَّرف الإعلاميّ، ولأن غيابَ المراقبة والمحاسبةِ قد سمحَ لأمثال هؤلاء بالتَّمادي حتى ولو هدّدَ هذا التمادي مصالحَ البلاد العليا، فلم نسمع يوماً بأنَّ " محكمةََ المطبوعات '، وهي المحكمةُ المختصة بمقاضاة المخالفين، قد حاكمت أيًّا من الإعلاميين رغمَ مساهمة الإعلام بنشر الفتن وتهديد السلم الأهليِّ في لبنان، وأما المجلسُ الوطنيُّ للإعلام والذي ينبغي أن يضبطَ الإعلام ويراقب تجاوزاته ويحرص على الحرية المسؤولة البعيدة عن الانفلات فهو في حالة غيبوبة وشلل تامَّين كوزارة الإعلام التي ترعاه.
ورغمَ أنَّني لست من المتابعين بشكلٍ دائم لبرنامج ( صار الوقت) الذي يديره الإعلاميُّ مارسيل غانم، إلا أنَّني أستطيعُ أن أحكمَ من خلال حلقتين أو ثلاث حلقات بأنَّ هذا البرنامج مخالفٌ لأبسط القواعد القانونية الآمرة، ويهددُ السلمَ الأهليَّ ومصالح البلاد العليا ولا يراعي الضوابط القانونية والأخلاقية، لا بل أكثر من ذلك فإنه يحرص على تقديم خدمات جليلة للعدوِّ في حديثه الدائم عن نزع سلاح المقاومة وفي الانقلاب على ثوابت اتفاق الطائف الذي أوقفَ الحرب الأهلية اللبنانية، وصولاً إلى الحديث عن الفدرالية وتقسيم لبنان لأنهم لا يستطيعون التعايشَ مع مكونات الوطن التي نعتزُّ بها.
إنَّ شخصاَ كالمحامي مارسيل غانم والذي دخل إلى ميدان الإعلام من بوابة المحاماة والحقوق ينبغي أن يكونَ أحرصَ الناس على تطبيق القوانين واحترام الحريات العامة بدلاً من التّنمر عليهم والسخرية منهم، وإنَّ برنامجاً كبرنامج " صار الوقت" ينبغي أن يراعي وحدة الوطن ووحدة أبنائه منطلقاً من حاجاتهم المشتركة وتطلعاتهم وأمانيّهم المشتركة وهادفاً إلى معالجة مشاكلهم وردم الهوّة بينهم وبناء جسور التلاقي والوداد والوئام وإطفاء الحرائق المشتعلة في مناطقهم بدلاً من تأجيجها وتسعيرها.
نعم" صار الوقت" لمراقبة البرامج الحوارية ومحاسبة المخالفين.. وصار الوقت للتمرّد على كلِّ ما يفرّق ومن يفرّق بين اللبنانيين.. وصار الوقت لتفعيل عمل وزارة الإعلام والمجلس الوطنيّ للإعلام ومحكمة المطبوعات.. وصار الوقت لبناء وترميم الجسور بين أبناء وطننا الحبيب لبنان وتعزيز الانتماء الوطنيِّ لدى أجيال لم تتعلّم إلا لغةَ الشتائم والسباب ..
فيكفي أن تكون لبنانياً لكي تحظى بمحبة واحترام كلِّ أبناء بلدك مهما كان الدين الذي تعتنقه والحزب الذي تنتمي إليه والمنطقة التي تعيش فيها.. وليحيَ لبنان " وطناً نهائياً لجميع أبنائه، عربيَّ الهوية والانتماء، واحداً أرضاً وشعباً ومؤسسات.

