زاهر الرباعي _ من كتاب: الحُلل السُّنْدُسية في أخبَار الأسُود الأطلسيَة
ولمّا نمَى إلى سَمْعِ القُوط الغَربِيين، ما خصَّ الله به المُرابطين، منَ النَّصْر المُبين، على كتيبَةِ القَشْتَاليين، في موْقِعَةِ المدينة التَّعليميّة، قربَ الدَّوْحَةِ المائية، اجْتَمَعَ القوطُ في نَادِيهم، ونادَى مُنَاديهم، احْشُرُوا شُجْعانَكم، وجَهِّزُوا فُرْسَانَكم، وانصرُوُا إخوانَكُم.
والقوطُ قوْمٌ من نسْلِ الجرمان، كانت لهم حروبٌ مع الرُّومان، حَتّى كسَرَ المُسلمُون شَوكَتَهم، وفَتَحوا مَمْلكتَهُم، حاضِرتُهم أشبونَة، وهي مدينةٌ حَصينَة، بها أسوارٌ مَتِينة، وبداخِلِها قلعةٌ مَكِينَة، شامخةٌ شمّاء، تمخُرُ عُبابَ السَّماء، وتحفُّ أشبونة بساتينُ ورياض، ويعبُرُها نهر تاجَةَ الفيَّاض.
قال الرَّاوي: اجْتَمَع جيشُ القوطِ وسار، وخرجَ يطلبُ الثار، ويَنْشُدُ الانتِصَار، وردَّ الاعتبار، وقد توفّرَ جَمْعُه، واشْتَدَّ طمعُه. وخرَجَ المُرابِطُون في عَسْكَر، من العربِ والبربَر، يدٌ على من ناواهُم، يسْعَى بذمَّتِهمْ أدْناهم، يقدُمُهم فارسٌ رابطُ الجَاش، يُسمّى حكيم زيّاش، ويتوسّطُهم في الميْدَان، المُرابط سُفيان، قويُّ الباس، شديدُ المراس، ويَحْرُسُهم أسدُ العرين، بُونُو ياسين.
وما زالوا يجُوبون فيافِيَ وَمَهَامَه، حتّى نزَلُوا في موضعٍ يُقالُ له الثُّمَامة، وقد انتصفَ الشهرُ، واكْتَمَلَ البدرُ. وتدانَى الفريقانِ للتّلاق، وقامَ الصّراَعُ على سَاق، وكانَ النهار قد انقَضَى، والبدرُ قد أشرَفَ وأضاء.
صَمَدَ المُرَابِطُون في الدَّقائِقِ الأولى، ثمّ كانتْ لَهْمْ من بعدُ اليدُ الطُّولى. فتعَقَّبُوا القوطَ في مَكَامِنِهم، وأخافُوهم في مآمِنِهِم، وزاحموهم وهاجمُوهم، حتّى رجَفَتْ قلوﺑُهُمْ، وَوَجَبَتْ جُنُوبُهم، وفي خضمِّ الصِّراع، أمْكنَتْ للمُرابِطين فرصةٌ لا تُضاع. وبخفّةٍ خارِقَة، وسُرْعَةٍ فائِقَة، ارتقَى يوسف الفتّاك، ومزّقَ بكُرَتِهِ الشِّباك....
فاحتَشَدَ القوطُ وتنادَوْا، أنْ استنجِدُوا برونالدَوْ. وكانوا من قبلُ قد عزلُوه، فاستبدلُوه، وأنْزَلُوه. وكان رونالدو قُطْبَهمْ الذي يَدُورُون عليْه، وعظيمَهم الذي يرْجِعُون إليْه. ومن عَرفهُ وصفَه بِعَبْل الذراعيْن، عريضِ المنكبَيْن، مُكْتَنِز اللحم، أسْرَع من السهم، خَفِيفِ الوَثْبَة، قَوِيِّ الضَّرْبة، قدْ حنَّكَتْه التجارب، فلا يُدانيه لاعِب، قد شغفَ نساءَ القُوطِ حُبَّا، وسلبَ قلوبَهُنَّ سَلْبًا.
قال الرّاوي: لكنَّ دخول رونالدو ما زادَ المرابطينَ إلّا استبْسالَا، وجُرْأةً وإقْبالًا. وزحفَ القوطُ، وسنَحتْ لهُمْ فرصٌ خَطيرة، في اللحظاتِ الأخيرة، وكادَتْ أنْ تكونَ النهايةُ مُثيرة، لكنّ المُرَابطين صبرُوا بقوَّةِ شَكيمَة، ونفاذِ عزيمة، وَتَماسَكوا وتَمَالَكوا، حَتّى وَلّى القوطُ الأدْبَار، ولاذُوا بالفرار، عَائِدين إلى الدِّيار، أمَامَ حَسْرةِ الأنصار، كشجرةٍ خبيثةٍ اجْتُثَّتْ منْ فوقِ الأرضِ ما لهَا منْ قَرار.
وخرّ المرابطون سُجَّدَا، أمام جُمْهُور يضيقُ عنهُ المَدَى، وقد رفعوا رايةَ المُرَابِطين، ونَشَرُوا علَمَ فلسطين. وهذا الفوزُ في هذه المَعْركة الفارقة، لمْ يتأتّ لأحدٍ من الأعارِبِ المشارقة، ولا من الأعاجِمِ الأفارقة، فزادَ المُرابطينَ رِفْعةً وَفَخَارا، وجَعَلَهُمْ للعربِ أسْوةً ومنارَا. وبه دانتِ البلادُ الأندلسيّة، للأسودِ الأطلسيّة، من أربونة إلى أشبونة. وبهِ خَطَّ المرابطونَ أجمَلَ حكاية، في انتظار النهاية... والحمد لله أنْ رفَعُوا الرأس، وبإذْنِه سيَرْفعون الكأس.
قال الرّاوي: أمّا رونالدو ففرّ مذعُورًا مدحورًا مقهورًا، وأخذَ في البُكاء، بعْدَ أن انقَطَعَ بِه الرَّجاء. وقيلَ إنّه وقَعَ في الأسْرِ، ووقَّعَ لنَادِي النَّصْر، ولبِثَ عنْد العَرَبِ في خِدْمَتِهمْ، واختصّوهُ بأثَرَتِهِمْ، ثُمَّ إنّهُ بعد ذلك أسْلَم، واللهُ تعَالى أعْلَم.
*ملاحظة:*
1- كان العرب يُسَمُّون لشبونة العاصمة الحالية للبرتغال أشبونة. وقد فَتَحَهَا طارق بن زياد في عهد الأمويين سنة 714م، وبقيتْ تحت الحكم الإسلامي إلى 1147 ميلادية. وتقع على بحر الظلمات (المحيط الأطلسي) غربَ شبه الجزيرة الأيبيرية (الأندلس).
2- أربونة هي Narbonne، فتحها الأمويون سنة 737 ميلادية. وتقع جنوب فرنسا على بحر الروم (البحر المتوسط)، شرق الأندلس.

