كمال ذبيان - خاصّ الأفضل نيوز
"العتمة الشّاملة" الّتي يمرُّ بها لبنان منذ السبت الماضي، كشفت أكثر أنّ المؤسّسات الرّسمية مستمرّة في الانحلال، وأنَّ هيكل الدّولة يتّجه نحو مزيد من الانهيار، حيث نجح أصحاب المشروع الأميركي "الفوضى الخلّاقة"، بتنفيذه في لبنان، منذ ما سمّي "الحراك الشّعبي"، ضدَّ زيادة الرّسم على الهاتف الخليوي، وتحديدًا مكالمات "الواتساب"، إذ رُفع الرّسم ستة "سنتات" أميركيّة، في حكومة الرئيس سعد الحريري، في ١٧ تشرين الأوّل ٢٠١٩، من خلال اقتراح تقدّم به وزير الاتصالات محمد شقير.
حرّك هذا الرّسم الشّارع، وبدأت الاعتصامات والتّظاهرات وإقفال الطّرق، وظهرت مجموعات ترفع شعارات الإصلاح ومحاربة الفساد، وبرز أفراد يقودون هذه التّحرّكات بأسماء وعناوين متعدّدة، وبدأ ينكشف مدى تورّط جهات خارجيّة، لا سيّما أميركيّة وغربيّة في ما سمّي "ثورة"، التي تموّلت من منظمات غير حكومية يطلق عليها N.G.O.S، واعترف أكثر من وزير للداخلية وأجهزة أمن محلّية، وتقارير دوليّة، بأنّ نحو ٨ مليار دولار دُفعت في لبنان، لتمويل تحرّك، هدفه إصلاحيٌّ وتغييريٌّ، ويحمل شعارات هي ما يريده اللّبنانيون عن الفساد والرّشوة والصّفقات والهدر، وعدم وجود فرص عمل وارتفاع البطالة في صفوف الشّباب، لا سيّما الخرّيجين منهم.
هذه المطالب الشّعبيّة استغلّت من قبل من زعموا بأنّهم ثُوّارٌ وتغييريّون، ليثبت أنهم غير ذلك، إذ أنَّ البعض منهم أو أكثرهم، تظلّلوا شعارات إصلاحيّة، ليصوّبُوا على المقاومة وسلاحها وبأنَّ "حزب اللّه" يخطف الدولة وقرارها، وهو من تسبّب بالأزمة الماليّة والاقتصاديّة، بسبب التّهريب والتّشجيع على التّهرّب الضّريبي، فاشتغلت وسائل إعلامٍ مأجورة، وتمَّ توظيفها لتشويه صورة المقاومة، والدّفع بها، نحو الاصطدام مع "الحراك الشّعبي"، الّذي كان "حزب الله" داعمًا له، عندما رفض وزراؤه في الحكومة زيادة الرّسم، ونزلوا إلى الشّارع في منطقة المشرّفيّة من الضّاحية الجنوبيّة لثني الحكومة عن قرارها.
فلم يكن رفع الرّسوم وزيادة الضّرائب ومحاربة الفساد، وتحقيق الإصلاح، هو الذي حرّك الشّارع في نهب أموال المودعين، بعد أن هرّب أصحاب الأموال من رأسماليّين ورجال مال وأعمال وسياسيّين أموالهم، لتعلن المصارف بأنّها عاجزة عن تسديد الأموال للمودعين الّذين خسروا مدّخراتهم، وفرضت عليهم قوانين، تلزمهم بسحب مبلغ ماليٍّ محدّد.
هذا العرض للتّأكيد، بأنَّ هدف ما سُمّي "ثورة" لم يكن الإصلاح ومحاربة الفساد، بل السّيطرة على مجلس النّواب، وإيصال سلطة تابعة للمشروع الأميركي، الّذي من أهدافه، تطبيق القرار ١٥٥٩ الذي يُطالب بنزع سلاح المقاومة، وهذا ما رفعه المتحرّكون في الشّارع.
ومنذ نحو أكثر من عامين تراجع الحراك وغابت المطالب، لا سيّما بعد الانتخابات النّيابيّة عام ٢٠٢٢ التي أعطت ١٢ نائبًا من التّغييريّين الّذين أظهروا تحالفهم مع أحزاب ضدَّ المقاومة كالكتائب والقوّات اللّبنانيّة، وأكثروا من زياراتهم إلى أميركا، وكثّفوا لقاءاتهم مع سفراء أميركا في لبنان، وموفديها إليه.
ألا توجب الظّلمة التي وقع فيها لبنان، تحرّكًا في الشّارع لقوى التّغيير، الذين نفّذوا مهمّتهم، في زرع الفوضى، التي من أهدافها، أن يصبح لبنان بلدًا يئنُّ شعبه من الفقر الّذي بلغ نسبة عالية، وتحميل المسؤولية إلى "حزب الله" الذي ارتفعت عليه الحملة والهجمة من قبل مجموعات وأفراد، تتّهمه بتورّط لبنان في حرب ولو كانت محدودة، لا علاقة له بها وهي إسناد غزّة، من ضمن وحدة ساحات محور المقاومة.
فالعنوان الأبرز مَن تحرّكوا في ١٧ تشرين الأول، أي المقاومة، التي نجحت في أن تفشل المخطّط الأميركي في زجّها في حرب زواريب وشوارع، عمل عليها من كانوا في السّاحات التي لم يكن هدفها "لقمة عيش" المواطن، بحيث ارتفعت الأسعار، ومنها ربطة الخبز، ولم يتحرّكَ الشّارع أو يحرّكه "التّغييريّون"، الذين كلّ ما فعلوه ويقومون به، هو كيف يمكن محاصرة المقاومة، التي لم تنجرّ إلى الاقتتال الداخلي، بل كان هدفها تأمين قوّة ردع للبنان، وهذا ما أثبتته خلال الأشهر العشرة من مساندة غزة في مقاومتها للعدوِّ الإسرائيليِّ.

alafdal-news
